أتأسّى باللغةِ حينَ أقرَأ الأدبَ وأصغِي للقَصِيدة.

الثلاثاء، 16 يوليو 2019

ماذا بعد تخرجي من البكالوريوس



حكايتي بعد التخرج ...




أقصها عليكم لأني أدرك الميزة الكامنة في القصص والحكايات حين تخلق مساحة إنسانية مشتركة من المشاعر والتجارب ، على مستوى الانتصارات كما هو في العثرات والإخفاقات ، وعلى مستوى المسرات كما هو في المواجع والخسارات.

بين أًصابعي الكثير من الأحرف العالقة لعامِ كامل وارتباكٍ متكامل.

تراوحت أيامه بين السعة والضيق ، بين الجدب والعطاء ، لا أدري إن كانت أيام الشدة أكثر أم تتجاوزها أيام الرخاء ، لكنه كان عامًا كاملاً ومرّ.

·       آخر اختبار لي في مرحلة البكالوريوس يوم 23 / 8 / 1439هـ
·       استلمت وثيقتي يوم 20 / 9 / 1439 هـ
·       فاجأني الأهل والأصحاب بحفل تخرج أنيق ومميز لا تزال ذكراه عالقة في ذهني
 يوم 1 / 11 / 1439هـ

بعدها لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى تنازلت عن شرف حمل اللقب الذي طالما انتظرته ( خريجة ) ، لأبدأ متعجلة في البحث عن ( وظيفة ).

  • -         لا يمكن أن أمضي عامًا كاملا بالمكوث في المنزل دون عمل أقضّي فيه ساعات فراغي الطويلة وأتكسّب من خلاله ما يكفل لي استقلالي المالي الذي اعتدته مع المكافأة الجامعية.
  • -         من أين أبدأ ؟
  • -         ماذا أريد ؟ وظيفة موسمية ؟ وظيفة حكومية ؟ وظيفة في القطاع الخاص ؟
  • -         بين المجالات المتعددة المتاحة لخريجي تخصصي ، إلى أيّ المجالات سأنحاز بشكل دائم أو مؤقت ؟


مثل هذه الأسئلة والهواجس لم تكف عن طرق رأسي ، طرقًا ملحًا ، شديدًا ، مسببًا للصداع مع مرور الوقت.

في البدء كان أكثر ما يربكني أنّ هذا العام ، عامٌ مفتوح على مصراعيه ، لا حدود للفرص فيه ولا قواعد لضبط تجاربه ، ومن هنا تحديدًا اتسعت رقعة التيه وتفاقمت أزمات الأرق.


عشرات الإعلانات الوظيفية التي تواصلت مع أًصحابها
( مقاهي ، مراكز تجارية ، محلات حلويات ، مستشفيات ، مدارس )

كانت هذه أول الخطط التي شرعت في تنفيذها ، وظيفة مؤقتة في قطاع خاص ، أستطيع التنازل عنها مع وجود فرصة أفضل منها ، لا يهم أين تكون ، وكم مردودها ، لكن الأهم : الخبرة ، عدم المكوث في المنزل ، راتب شهري.

كان الصمت والتجاوز ردًا من معظم تلك الوظائف ، للعديد من الاعتبارات التي كان من بينها :
سيرتي الذاتية والتي لا ترقى لها وظائف مثل معدة قهوة ( باريستا ) في مقهى أو موظفة استقبال في مستشفى أو بائعة في إحدى المحلات.
جاءني هذا الرد فعلا في الكثير من الوظائف، وغضبت.

وفي إحدى المرات التي لا أعرف سبب أخذ مسؤولي التوظيف فيها لسيرتي الذاتية على محمل الجدية ، وقاموا باستدعائي لأداء المقابلة الشخصية ( كمُحاسبة في إحدى محلات الحلويات )
اطلع المسؤول على السيرة سريعًا ثم استوقفه سطر خبراتٍ يقول :

-         متدربة كأخصائية اجتماعية لمدة 3 أشهر بمستشفى الملك فيصل بمكة.

ردده متعجبًا ثم سأل : أًصالة ماذا تفعلين هنا أمامي وعلى هذا الكرسي ؟
أنت أخصائية ونحن حلونجية ، فهل تدركين الفرق ؟

أصابني في مقتل أو قصف جبهتي أيًا يكن ، لكنني ابتسمت ببلاهة لم ينتبه لها وأجبته إجابة معلّبة ، جاهزة ، يبدو أنها لم تكن مقنعة كفاية ، لأنهم لم يعاودوا التواصل معي بعد ذاك اليوم.

وهكذا من بين عشرات تلك الوظائف التي تقدمت لها خلال هذا العام ، قمت بسبع مقابلات فشلت في أربعٍ منها ، واجتزتُ ثلاثة.

ولكما أن تتخيلا عزيزي القارئ / عزيزتي القارئة :

كم كان الانتظار طويلًا والإخفاق عصيبًا ، والمرارة متفاقمة واليأس قريب.

هذا ما شعرتُ به بمرور 4 أِشهر بعد التخرج ، وعند النظر لمعدلات البطالة التي نعاني منها ، يبدو رقمًا سخيفًا لا بدّ أن أخجل من ذكره.
هكذا استخف الكثيرون بحالة الإحباط التي أصابتني خلال تلك الفترة.

ثمّ كان ( مشروع رائدات : لتأهيل المربيات والقيادات التربوية )
محطة توقفتُ عندها مع بداية السنة الهجرية الجديدة 1440هـ ، لم تكن ضمن المخططات ، لكنها جاءت بالكثير من المزايا والهبات
لمدة فصل دراسي كامل ، يومان من كل أسبوع ، دورات تدريبية تربوية وفكرية ، مخالطة أناس على قدر من العلم والفضل والخلق – بارك الله لهم وفيهم وعليهم – كان لي من المشروع خير الزاد وتقويم العدة والعتاد.

وأثناء انتظاري في هذه المحطة ، في يومٍ أِشرقت شمسهُ من مطلع آمالي ، ومن حيث لم أحتسب ولم أتوقع ، تواصلت معي مديرة إحدى المؤسسات الاجتماعية التي سبق وأن تطوعت فيها خلال المرحلة الثانوية ، لتقدم لي عرضًا وظيفيًا لم يطرأ لي على بالٍ حينها ، كان عرضًا مفصلا على مقاس سيرتي الذاتية ، عرضًا يشبهني وأشبهه ، يعرفني وأعرفه. كم كانت دهشتي كبيرة وسعادتي أكبر.

نعم ، ما أصابني لم يكن ليخطئني وما أخطأني لم يكن ليصيبني .
كان هذا درسًا أولا لتلك الفترة.

دون الخوض في التفاصيل كانت تجربة علمتني ما يجب أن أتعلمه، وكان عمرها شهرين فقط.
خلالها كنت أقدر على تلمّس الطريق ، ومواجهة المخاوف المتبقية ، وتحديد الغايات الجديدة ، أردتُ دائمًا ألا ينتهي هذا العام إلا وقد وجدت لنفسي سياقًا جديدًا وملائمًا تنتظم من خلاله أهدافي ومناشطي ومساعيي. واجتهدت لذلك.


قرارٌ اتخذته وخطة انتهجتها :
متجاوزة كل الفرص الثابتة والحكومية التي أتيحت تلك الفترة لتخصصي في عدة مجالات كالمستشفيات والمدارس والمؤسسات الاجتماعية – كل فرصة تجاوزتها كانت بمثابة وخزة ضمير تحذرني من ندمٍ لاحق – لكنه كان قرارًا حازمًا
أريد الالتحاق بالمجال الأكاديمي تعلّما وتعليمًا ( الماجستير والمعيدية ).


قدّمت على كل فرصة ملائمة لهذا القرار أتيحت و وجدتها.

إخفاقاتي هنا كانت أشد وطأة وأكثر إيلامًا.

لم أجتز اختبار القبول للمعيدية في جامعتين.

حاصرتٌ نفسي بأسئلة سوداء مفخخة ، من قبيل :إن أخفقتِ في أكثر ما تحبين وتدعين إجادتك له ( تخصصك ) ، فبماذا ستنجحين ؟!
هكذا يعادي الإنسان نفسه حين يخفق أحيًانًا ، فيتحول يقينه إلى شك ، وتصديقه إلى كفر ، يتجرّد من قوته وجَلَدِه ويستسلم لضعفه ويأسه.

لا بأس هذا جائز ؛ لأن الإنسان خلق هلوعًا ، جزوعًا ...

له أن يخفت نور البصيرة في قلبه لا أن يخبت ، حتى يستطيع أن يستدل في طريقه إلى حبائل اليقين والتصديق والقوة مرة أخرى.

حتى يرى الله في قلب محنته ، ويدرك من جديد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأن العوض الجميل آتٍ لا محالة ..

هكذا تجاوزت بفضل الله محنة جديدة ، ثمّ بفضل نداء وخولة ، صديقتاي اللتان كانتا معي طوال الطريق على قدر المشقة والتعثر ، وعلى قمة كل نجاح واحتفاء.
صيّرهما الله لي نورًا ولطفًا وريًا لا يشح أو يتوقف.

مر شهر على تركي للوظيفة الأولى والتحاقي بالوظيفة الثانية خلال هذا العام ، هي أيضًا لم أتوقعها ، لكنني سعيت لأجلها ( معلمة ورائدة نشاط ) في إحدى المدارس الأهلية.

أختصرها بكونها تجربة :  ممتلئة ، ماتعة ، شاقة ، ممتعة ، مثرية ، صعبة ، حساسة وجميلة !

كل مفردة لي معها قصة لا يتسع المكان هنا لذكرها ، وحسبي من هذه التجربة أني أحببت دوري كمعلمة تخالط الطالبات وتتعلم منهن بقدر ما تعلمهن أكثر من كوني إدارية تتعامل مع الأوراق والأجهزة.
أيضًا كان عمر هذه التجربة شهرين انتهيا بنهاية السنة الدراسية المنصرمة.

خلال هذين الشهرين كنت أعمل على قراري الجديد وخطتي الجديدة وأواصل سعيي للحصول على المعيدية أو الماجستير !

تقدّمت هذه المرة على الماجستير ، وصلني بعد فترة ، ترشيحي لأداء اختبار القبول ، لا أنكر أن خوفي من الإخفاق فاق حماسي هذه المرة للدرجة التي راودتني فيها أفكار إضاعة الفرصة وتجاوزها، فتخليك عن شيء لا يشبه أبدًا تخليه عنك ، في الأولى تنتصر لكبريائك وفي الثانية تخسره.
هنا أيضًا بعد توفيق الله كان لخولة ونداء فضلُ كبير ، في مواجهة هذا الخوف وخوض التحدي ، سافرتُ الرياض لأداء اختبار القبول يوم  الثلاثاء 19 / 7 / 1440 هـ

بعده الانتظار !

لم يكف أبدًا عن كونه طويلًا وشاقًا وذا دمٍ ثقيل.
لا سيما الانتظار المطعّم بأفكار سوداء وهواجس مؤرقة ، والحمد لله أني حينها كنتُ أعمل في المدرسة ، وقد كان لدي من العمل والمسؤوليات ما أزاحم به تلك الهواجس وأتجاهل فيه قدرًا ولو يسيرًا من هذا الانتظار.

في صباح يوم الثلاثاء 26 / 7 / 1440 هـ أثناء جلوسي على مكتبي واستعدادي للذهاب إلى إحدى الحصص الدراسية ، وصلتني رسالة نصية مفادها ( تم ترشيحك للمقابلة الشخصية ماجستير خدمة اجتماعية وستكون يوم الخميس 28 / 7 / 1440 هـ ....)

دون أيّ اعتبار لأصالة الأستاذة والإدارية ، وبممارسة حقي الكامل والمشروع في إبداء سعادتي كطفلة تحت سن النضج ، لا أعرف عدد القفزات التي قفزتها وأنا أصرخ بصوت عالٍ شاكرة لله ومعلنة عن هذا الترشيح.
والحمد لله أن ضياع البريستيج هذا لم يشهده سوى اثنتين من زميلاتي –  شاركتاني إياه بتلقفُ هذا الكم من البهجة بين أحضانهما وبصدق دعواتهما.

أسترجع الموقف الآن ولا أستطيع مغالبة الابتسامة الطارئة على وجهي ولا السعادة المنبثقة في قلبي ، هذه إحدى فضائل الكتابة.

اليوم الثلاثاء والمقابلة الخميس ، بعد انتهاء موجة الفرح العارمة تلك ، عدت للواقع بالبدء باتخاذ الاجراءات اللازمة ( أخبرت والدي - صديقي الأول في كل شيء -  حجزت تذكرة السفر ، طلبت إجازة من العمل ، وحين عدت إلى المنزل بدأت الاستعداد والإعداد )

يوم الخميس بعد انتهاء المقابلة وخروجي منها ، هاتفت والدي لإعلامه بمجرياتها ، تأمل لي حينها القبول وبشرني به بإذن الله.

ومع ذلك مرّ انتظار آخرٌ أطول وأصعب وأكثر قبضًا على الأنفاس.


يوم  2 / 9 / 1440هـ  كلله الله بالبشائر ، إنه العوض الجميل والجبر العظيم الذي جهلته وانتظرته.

وصلتني رسالة بريدية ( جامعة الملك سعود – عمادة الدراسات العليا – تمّ قبول طلبكم في برنامج القبول الإلكتروني للدراسات العليا – ماجستير الخدمة الاجتماعية )


استدعوا اللحن من الذاكرة وشاركوني الغناء :

" حلمنا نهار .. نهارنا عمل
نملك الخيار .. وخيارنا الأمل
وتهدينا الحياة أضواءً في آخر النفق
تدعونا كي ننسى ألمًا عشناه
نستسلم لكن لا .. ما دمنا أحياء نرزق
ما دام الأمل طريقًا فسنحيا "
نعم كان هذا الضوء القابع في آخر نفقي ، الحمد لله .


هكذا كان لي من هذا العام الشدة والرخاء ، السعة والضيق كما أسلفت.

بعض فترات الشدة ولحظات الضيق التي مررت بها ، كانت صعبة حقًا ، ولا أصعب بالنسبة لي من أوقاتٍ لا أعرف فيها نفسي و لا أجرؤ على مواجهتها إما خوفًا أو ضعفًا.

كان لي من الضعف أيام فقدت فيها شهيتي للطعام والنوم ولمخالطة الناس ، ولم أستطع مغالبة نوبات البكاء الفجائية التي كانت تنتابني ، فضلًا عن ردات فعلي الحادة والغير مبررة في بعض المواقف مع الأهل أو الأصدقاء.

أما الخوف فقد كان لي منه أوقات فراغٍ كبيرة ومتسعة ، فقدت من نفسي فيها الكثير ، حين تركت هواياتي التي اعتدتها وأحببتها ، وبدت لي شاشة الحاسوب المطلة على عوالم المعرفة والتعلم المختلفة ، كثقبٍ ضيّق في الباب لا يسمح باختلاس النظر أو نفاذ النور.


إحدى الدروس كانت : أنّ أوقات الفراغ قد تجعل من الإنسان عدوًا لدودًا لنفسه وأنّها بنفس القدر ، قادرة على مواجهته بقناعاته وكشف مكامن النقص لديه.

أنت الآن تعيد اكتشافك لنفسك في مساحاتِ أرحب وأوسع .

أخيرًا منذ البداية كان الأمر بالنسبة لي كالدوران في عجلة أو ترس ، سعي لاهث للوصول إلى نهاية غير متحققة أو موجودة ، وحين اتسع نطاق الرؤية قليلًا أدركت أني في مدينة كاملة ملآى بالتروس بمختلف الأحجام ، انتقالي من ترس إلى آخر متوطٌ بوهم الوصول وتوسّع الإمكانات وميلاد الآمال الجديدة ، يضيق الترس بي فأنتقل إلى آخر أكبر وأسرع ، بسعي لاهثٍ آخر لوصول موهومٍ جديد !


هل يبدو الأمر مُتعبًا ؟ ربما ! لكنه ممتعٌ أيضًا.


هل يستحق ؟ قيمته في النوايا والدوافع الكامنة خلفه.

السبت، 27 يناير 2018

رواية مزرعة الحيوان


نتيجة بحث الصور عن مزرعة الحيوان


قرأتُها متأخرًا ، وهذا التأخير جاء بحمولته من الإلمام بالقصة وأفكارها ومآلاتها ، ومع ذلك قرأتُها بلهفة القارئ العازم على الاشتباكِ مع كل كتاب بقراءته الخاصة.

ومما لا يخفى على القرّاء أنّ هذه الرواية كُتبت نقدًا وإسقاطًا للأنظمة الشمولية  على حياة الحيوانات في إحدى مزارع إنجلترا ، فاستطاع جورج أورويل بهذه الطريقة الذكية والرمزيات القوية أن يعبّر عن سخطه ورفضه للواقع الذي عايشه في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وبعض الوقائع وتداعياتها التي تنبأ بها.

ومن هُنا يتضح أنّ الكتابة فضلاً عن كونها أداة خلود وتعبير هي أداة مقاومة ومواجهة بيدِ الإنسان الكاتب.

تحدثت الرواية بشكلٍ ما عن الإنسان الذي يقع تحت قهرِ السلطة ، تحدثت عن إنسان الثورة والثمن الذي يحشده ، لتحقيق آماله التي تغدو ممكنة بقدر ما هي بعيدة ، تغدو خلاصًا بقدرٍ ما يبدو الواقع مأزقًا له جدرانه الضيقة.
هذا الإنسان الذي ينجو بالثورة ويقع تحت نكساتها في آنٍ واحد، إنسانٌ يفضّل التعلّق بأوهامِ الأمل البعيد على أن تضيق به جدرانه من جديد.

قدّمت الرواية أيضًا تصويرًا عميقًا لإنسان السلطة الذي يتغذى على شهوته فيها ، لتصغر أمامه الثورة ومقوّماتها والأمس واختناقاته ،  كل شيء يلزمه أن يصغر طالما أنّ سلطته تتمدد باستمرار، هذا الإنسان الذي يحافظ على تبعية إنسان الثورة بتغذية آماله في الغد الذي لا يجيء تارة وتارة أخرى بالقوة والقمع.
وهنا تكمن المفارقة ، فكيف لمن عانى من ممارسات الاستبداد أن يعمل على تكريسها بطريقة أو بأخرى.

" جميع الحيوانات متساوية ، لكنّ بعضها أكثر مساواة من غيرها "
اختصر جورج بهذه العبارة حتمية الفشل الذي تؤول إليه الأنظمة الشمولية والتي تحقق الاستبداد والطبقية والظلم بقدر ما تنادي بالمساواة.

قرأتُ الرواية بترجمة محمود عبد الغني ، وبرغم أني لا أملك تجارب كثيرة في قراءة الكتب المترجمة إلاّ أنها ترجمة لا تليق أبدًا برواية كهذه ، ومما أثار استيائي أنّ مقدمة المترجم تحتوي على نقدٍ لاذع لبعض الترجمات العربية المسيئة للرواية باختزال أفكارها وتغيير مسميات الشخصيات وغيره ومما كتبه المترجم بداية " إذ ماذا يبقى من سحر الكلمات إذا أسأنا إلى الكلمات " في حين أنّه قدّم إساءات لا تُغتفر إلى الكلمات في ترجمته ، فحال بيني وبين الاستمتاع الكامل باللغة.

التقت قراءتي لمزرعة الحيوان بقراءة سابقة لرواية سمراويت للروائي الارتري حجي جابر ، والذي دار في فلكِ مقارب حول الثورة الارترية التي لم تكتمل أحلامها وأهدافها حتى بعد مرور سنواتٍ طويلة من الاستقلال ، حيث لا زال الارتريون يتأرجحون بين آمالِ الثورة المعلقة وخيبات الواقع المكرّسة.

يتراءى لي أنّه طالما وُجد الإنسان يظلّ الخلاصُ حلمًا بعيدًا يحرّكه ، وفي غيابه يفقدُ الخلاصُ قيمته. 

الجمعة، 26 يناير 2018

رواية ثلاثية غرناطة


نتيجة بحث الصور عن ثلاثية غرناطة




بعضُ قصصِ التاريخ لا تُكتب احتفاء بما حققه المنتصرون ولا بكاءً وعويلاً على ما خلّفه المهزومون ، بعضُها تُكتب ليَنبتّ عقد الحكاية من المنتصف ، من اللحظة التي تلتقي فيها قدمُ الفلاحِ بالأرض التي لا يملك غير عمره حنطة لها ، فيبذرُ أكثره وإن حصد أقلّه.

وهذا ما أرادته رضوى لثلاثية غرناطة ( غرناطة ، مريمة ، الرحيل ).

لم تسلّم رضوى مآلاتِ الحكاية لأرض حربٍ ولا هزيمةِ معركة ، ولكنها وضعتها بين يديّ أبي جعفر الورّاق، وبدأتها من بيته وعلى تخوم وجعه حين أودت به فاجعة محارق الكتب التي افتعلها الأسبان ، فكانت جذوة النار التي أحرقت الكتب هي ذاتها التي أحرق الأسبان بها البشر مرة وأرواحهم مرات أخرى ،  جذوة النار التي لم تنطفئ أبدًا.

بدأت الحكاية من بيت أبي جعفر الورّاق عندما سلم أبو عبد الله محمد الصغير آخر ملوك الحمراء المسلمين مفاتيح غرناطة للملكين الكاثوليكيين الملك فرناندو والملكة إيزابيلا واستمرت على مدى ثلاثة أجيال ولكنها امتدت حتى شواطئ بلاد المغرب التي كان يرحّل إليها العرب عبر البحر أو يهربون فرارًا من المكان الذي ما عادوا  يعرفونه لا بأناسه ولا بلغته ولا معتنقه ، هكذا عالجت رضوى في روايتها عددًا من القضايا المضرمة في ضمير المجتمعات المحتلة.

كانت السطوة الأكبر في الرواية لكل مرسومٍ يصدره الأسبان ، يغتصبون معه حقًا جديدًا للعرب والمسلمين، مع كل مرسومٍ كانت تُقَضُّ مضاجع البعض بحثًا عن مخرجٍ يحفظ للأجيال القادمة حقها في دينها ولغتها وأرضها.

والبعض الآخر آثر السلامة بنفسه وعياله حتى وإن كلفته دينه وهويته.

والقلة التي تجد في نفسها رمقًا طويلاً تستطيع به الدفاع عن كلّ هذا ، تقرر أن يكون سرّها الحفاظ على دينها ولغتها بتمريرهما وتعليمهما للأجيالِ القادمة في بطون الكهوف أو تحت دهاليز البيوت المظلمة.

أفلحت رضوى في تصوير حياة الورّاق والفلاّح والنّجار والحدّاد والتاجر والفقيه والخادم بين صراعاتهم وهواجسهم كلٌ يبحث عن نجاته من استبداد المحتل وقسوته ، سواء كانت تلك النجاة إيمانًا بالنصر أو إيذانًا وتسليمًا بالرحيل أو دخولاُ تحت لواء التنصير.
هكذا نجحت رضوى في جذب جغرافيا الأندلس وتاريخها في ثلاثية فريدة ، لم يسبقها الولع بكتابة مشروعٍ ثقافيٍ تاريخيٍ ، ولا فضول التنقيب عن حقائق الفردوس المفقود ، تقول رضوى – رحمها الله – في إحدى محاضراتها :

"وأنا أتابع أخبار قصف العراق ، رأيت المرأة العارية تقترب وكأنني أبو جعفر الوراق في الرواية يشاهد في عريها موته  ، استبدّ بي الخوف وأنا أسأل : هل هو الموت الوشيك ؟ وإن كان فأي علاقة أديرها الآن مع موتي ؟ ومع السؤال داهمتني غرناطة فبدأت أقرأ. أعتقد أن رواية غرناطة بدأت في تلك اللحظة."

جاءت ثلاثية غرناطة  كواحدة من الروايات التي تردّ على مزاعم من يدّعي بأنّ
" الروايات لا تسمن ولا تغني من جوع "

 جاءت هذه الرواية لتفتح بابًا من أبواب الوقوف على التاريخ ، والتحريض على نبشه وفهمه، وحملت بين طيّاتها مرآة قادرة على وضع الإنسان في مكاشفة حرجة مع الذات ، مع الاعتوار الذي يعتريه أكثر من الاستقامة التي يدّعيها.

وعلى امتداد الحكاية حضرت في ذهني أبيات قصيدة " أندلسان " للشاعر محمد عبد الباري ، حضرت هذه المقاطع منها تحديدًا:

" يا أنتَ أندلسُ المكانِ قريبةٌ
مقدارَ ما القوسُ استعادَ سهاما "
" يا أنتَ أندلسُ الزمانِ بعيدةٌ جدًا
فكن لليائسين إمامًا "
" غرناطةٌ مالا يزار لأنها وقتٌ
وهذا الوقتُ صارَ حطاما "

ولم تكن لغة الحكاية أقلّ ثقلاً فقد حمّلتها رضوى مفرداتها الرصينة وتفصيلاتها الدقيقة وتشبيهاتها البديعة غير أنها أفرطت في التفصيل و التشبيه حدّ أن قلصت المساحة المتاحة للقارئ حتى ينسج في خياله حكاية غرناطته الخاصة.



أسئلة تنتهك خصوصية القراءة


نتيجة بحث الصور عن قراءة




بقدر الخصوصية التي تسفر عنها ممارسات الفعل القرائي تبدو الأسئلة من قبيل ما سيأتي أسئلة موغلة في التجاوز والانتهاك.

ما هي القراءة ؟
من هو القارئ ؟
منذ متى بدأت القراءة ؟
ما أكثر الكتب تأثيرًا فيك ؟
ما هو كتابك المفضل ؟
لماذا نقرأ ؟
كيف نقرأ ؟

على اعتبار أنّ ماهية القراءة هي باكورة تلك الأسئلة وأكثرها التباسًا أيضًا. فلن نجد إجابة جاهزة نستدعيها في حضرة هذا السؤال.

لن يجد القارئ على مرّ تجاربه القرائية إجابة واحدة يستطيع إسقاطها على كل المراحل التي مرت بها علاقته بالقراءة.

فالبعض إذ يذكر تجربته الأولى في حمل مجلات باسم وماجد وميكي وغيرها منتشيًا بقدرته على فك رموز النصوص الموجودة فيها وفهمها ً وتعبيره عن انتصاره بقراءتها بصوتٍ عالٍ ، لا نستطيع إنكار أنه كان قارئًا.
وإن أدرك في مرحلة قادمة عبثية الحالة التي عاشها  فيما سبق  في حين أنه يقف على تجربته في قراءة الروايات الموجودة على المنتديات حين كانت تلك الصيحة في ذروتها يتغيّر مفهوم القراءة لديه ليجد أنها وسيلته للوقوف على الحكايات المضمرة في نفوس أصحابها والتي قد تمسّه في واقعه أو شخصه ولم تكن تتأتى له في جلسة من جلسات الجدات ولا مآثر النوادر والمرويات.

فهل نستطيع الاعتداد بتلك التجربة كبداية حقيقية في القراءة ؟

قد يعوّل عليها البعض ولا يفعل ذلك البعض الآخر حين يتجاوز تلك المرحلة فيسخط على كل الأيّام التي قضاها بعيدًا عن كتابٍ يمسكه بيديه ويخلق معه طقوسه الخاصة ، معلنًا  أنه غدا قارئًا منذ دلوفه الأول إلى المكتبة لاقتناء كتاب !

وقد نجد من يتخيّر تجربة تواجده الأولى في نادي قراءة  بداية مميزة للتعاطي مع الفعل القرائي  حيث وجد من يشاركه الاهتمام ويوقفه على تقنياتٍ قرائية لم يعتد استخدامها  ويفتح له آفاقًا على تعدد القراءات الممكنة للنص الواحد وتأويلاته.


سؤالٌ آخرٌ مربك حين يُسأل قارئ ما ، ما هي أكثر الكتب تأثيرًا فيك ؟

ليجد أن حيلته الوحيدة هي استعراض كلّ تجاربه القرائية بتأثيراتها وامتداداتها ، فإن كان لكلِ مرحلة تعاطيها الخاص مع الفعل القرائي ؟ ما هي أكثر الكتب تأُثيرًا فيه ؟

التي هذّبت لغته ؟ أو التي أحالته إلى مجالاتٍ لم يعهدها وأفكارٍ لم يألفها ؟ أم أنّها الكتب التي بلورت لديه مفهومًا أكثر عمقًا عن القراءة ؟ وربما تكون الكتب التي وضعته في مكاشفة مع نفسه.

لذلك لا يقنعني قارئً  يستطيع أن يؤطر قائمة تفضيلاته القرائية في عدد قليل من الكتب في حين أنه لا يستطيع أن يعيش علاقة مستقرة مع القراءة ، خاصة وأني سأجد فيما سأقف عليه من إجاباته ما يعبّر عن كونه مدينًا حتى لتلك الكتب التي تعثّر بها ، أو التي أوصدت أبوابها دونه ، وأخرى ساهمت في تشكيل ذائقته حسبما يحب وما يتجنب.

القارئ موعودٌ دائمًا بلقاءٍ أوّل مع القراءة ، في حضرة كلّ الكتب التي لم يقرأها بعد ، ليدشّن بدايته الحقيقية.
ولا تبدو أسئلة مثل لماذا نقرأ ؟ وكيف نقرأ ؟ أقل فظاظة مما سبقها ، فكيف يرتضي القارئ أن يملي أحدٌ عليه مبرراته الخاصة وأن يرتّل إجابات الآخرين كنصٍ مقدّس ينتهك حرمة ممارساته القرائية ويمزق أستار العلاقة التي يستعذب هلاميتها. هو يحترم الأسئلة التي تقر بفرديته ، الأسئلة على شاكلة لماذا تقرأ ؟ وكيف تقرأ ؟ ينصت ليبلور فلسفته.

القارئ يعرفُ جيّدًا أن الفعل القرائي يخصّه وحده.



 تمّ نشره على موقع كتبجي

أسئلة تنتهك خصوصية الفعل القرائي

الأربعاء، 24 يناير 2018

حمام الدّار قد يغيب



لا يُمكن لهذا النص أن يُقرأ قراءة واحدة إذ تكون قراءة مستطلعةً تحدد ملامح الصورة بكلياتها ، هذا النص كُتب ليُقرأ مرة ثانية ، مرة تستطيع من خلالها أن تُشير إلى مواضع الأشياء التي تعرّفتها. مرة تشي بأسرار غياب حمام الدار وتفكك فلسفته.

كتب السنعوسي هذه الرواية بلغة جيدة وذكاء بالغ راوح به بين شخصيتين كلّ منهما صانع الآخرِ ومصنوعه ، بعيدًا عن إطار الزمان وملامح المكان الواضحة استطاع أن يقدّم لنا قصّة غير موجعة برغم أنها تشاكس فينا معنى الفقد.

بدأت الرواية بمراوغة مأزق الكتابة ، حين تحضر الفكرة وتتمنّع في آنِ معًا ، بدأت وهي تشير بصباحاتها وأصابعها الخمسة إلى هاجسِ الدُّرجِ السفليّ وظلمتِه التي تبتلع كل الأعمال الغير تامة ، فكان الدُّرج السفلي هاجسًا لأبطال الرواية أيضًا، مما جعلهم يشاركون الكاتب في محاولاته لاستدراج نهايتهم. نهاية الفكرة والنص والأبطال.


أما أحجية ابن أزرق فقد تجلّت في واقع الشخصيتين
" عرزال ومنوال "

فقد كان عرزال كهلاً لم يعرف من ماضيِه غير أمسه ، وهي لحظة ميلاده على ورق كاتبه وصانعه ، باحثُا عن المعنى ، عن مسوّغات تشبثه بالحياة وعدوله عن الموت ، متعلقًا بعبثية لا يفهمها بالحمامة الأم فيروز على دكة نافذته وفرخيها زينة ورحّال ، ولا يميّز رتابة أيّامه غير دفتر مذكراته القابع على المنضدة بجانب سريره والذي يطل منه على الأمس الملتبس لديه والماضي الذي أراده له كاتبه برغم أنّه لم يعشه ولا يتذكره ، ماضٍ يربطه بأزرق والحمامة وفرخيها وبصيرة وتعويذتها التي يحملها القارئ معه على امتداد النص حتى يفهم حكاية " حمام الدار الذي لا يغيب وأفعاه التي لا تخون "

وحين يحضر منوال يبدو منطق حكاية عرزال أكثر وضوحًا
من حيث امتدادات القصتين واختلاف الأبطال وتجلياتُ الفقدِ والنهايات المعقودة ببداياتها ، في حضرة منوال ندرك أنّ حمام الدار حين يغيب قد لا يعود ، واحتمالاتُ العودة آمال يصيّرها الانتظار إلى أوهام، والأزرق الآخذ لا يستطيع المنح ، وفيروز أمّه التي لا يذكّر غير غنائها الذي يؤنسها و تواجهُ بهِ خوفها وتبرأ به من آمالِ انتظار الغائبين.


لم يكتمل النص ، ولم تحن النهاية ، فتحقق للكاتب ما كان يهجس به ابتداءً، آلت الحكاية إلى مصيرها إلى ظلمة الدُّرج السّفلي
هكذا ينهي السنعوسي الرواية.
  رواية حمام الدار " أحجية ابن أزرق "


وبهذا أنهي أول تجربة قرائية لي معه ، لأبدي إعجابي بذكائه في تصوير أفكاره وبتقنيته المتميزة في كتابة هذا النص ، وتركيزه على الشخصيات التي أخذت بيد الأحداث لينتجَ لنا سردًا متعدد التأويلات ومحرّضًا على إعادة القراءة .
 وقد كتب السنعوسي روايته بلغة سهلة لها إلماحاتها و حاولَ على امتداد النص أن يحافظ على سلامتها في حين وقع في عثراتٍ لغوية قليلة جدًا.





السبت، 7 أكتوبر 2017

افتتاح آكام 3




عبّرت لي صديقة ذات مرة عن ضرورة مشاركة الأصدقاء حين تداعب أحد الأحلام خيالاتنا ، حين نقرر في لحظة عاصفة ترتيب أوراق الحياة المبعثرة بين أيدينا ، ولملمة شتات الأفكار والأمنيات.

لم آخذ الفكرة حينها على محمل الاقتناع تمامًا ، لكنني أومأتُ برأسي ربما مجاملة وربما على نحوِ ترك الفرصة لتجارب الحياة كي تثبت لنا ما قالته أو العكس ، بعد فترة ، جاءتني الصديقة وكأنها لا تريد لنا الانتظار ، فخلقت بنفسها أوّل تجربة مختلفة جاءت في مقام الاحتفاء بالأصدقاء ، في مقامِ المشاركة التي لا تقتصر على " العيش والملح " ولتكن الإنجازات والعثرات والنجاحات وأسرار المخاوفِ وما للثقة والإيمان من مساحات تجمع بيننا.

فكانت تجارب كثيرة أحدها " مشروع آكام " كبذرة أودعها الله بيدِ صديقتي خولة وعلى نحو ما شاء في أقداره كنتُ أنا وصديقات أخريات قائماتِ على ريّ تلك البذرة حريصاتٍ على نموها شاهداتٍ على لذة حصادها.

آكام كان حُلمها وحدها حلمًا باعدت المخاوف بينها وبينه قبل أن يُخلق كاملاً ، ثمّ ها هو اليوم يكبرُ موسمًا فآخر بسعينا جميعًا ، ويكون في عمرِ الكثيراتِ تجربة ، فريدة ، تختلفُ مكاسبها.
آكام هو مشروع نستهدفُ فيه الفتيات في المرحلة المتوسطة والصف الأول الثانوي ، لمساعدتهنّ في التعرّف على مسارات الحياة ( الروحي ، الاجتماعي ، الثقافي ، الصحي ، المالي ، المهاري ) من خلال مجموعة من الفعاليات المتنوعة والتي تُكسبهن القدرة على تحقيق النمو المتوازن في كل هذه المسارات واكتساب مهارة التعلم الذاتي فيها.

اليوم 17 / 1 / 1439هـ  كان افتتاحُ الموسم الثالث من آكام
ومذ بدأنا آكام بموسمه الأول غدت أصباحُ السبتِ أثيرة لدي ، كيف لا وهي ميعادي مع وجوهٍ طيّبة يطفرُ الحماس من عينيها ، مع أرواحٍ أشعر بقربها مني على نحوٍ لا أستطيع التعبير عنه بدقة ، غيرَ أن غاية ما أرجوه لها أن تحقق انتصاراتها العظيمة على نفسها ، وتنجو من مهالكِ الحيرةِ التي لا يفلتُ منها من أعجزتهُ مفترقات التّيه ، وأعيته أفاق العالم المتصاغرة بعينيه ، غير أنّ غاية ما أرجوه لتلك الأرواح أن تعيش تجربة مميزة وفارقة في رحلةِ العمرِ الممتد إلى أقصى ما تستطيع الوصول إليه حين تعرف ما تريد وتؤمن بالغاياتِ البعيدة ، القريبة.

آكام جمع أكمة وهي تعني " التل المرتفع " تم اختيار هذا المسمى لغرابته وجماله ورمزيته المتعلقة بالتميز على مستوى الأقران.

في افتتاحية الموسم الثالث اليوم اجتمعن والدات المشتركات برئيسة جمعية واعي للتوعية والتأهيل الاجتماعي د. فتوحة الأندونيسي والتي حرصت على تبصيرهنّ بفكرة البرنامج وأهدافه وكل ما يتعلق بمصلحة المشتركات ، أمّا نحن كفريق عمل فقد قضينا الوقت مع المشتركات الجميلات حيث تمّ التعارف بيننا في أجواء مرح ممتعة ، ثمّ حرصنا على تعريفهن بالبرنامج وأهدافه ، وطريقة العمل والانجاز في المسارات طوال فترة البرنامج ، واستضفنا مشتركتين  مميزتين من مشتركات الموسم السابق ( الشيماء الشهري ، منار الأحمدي ) حتى يستقين التجربة ممن عشنها وكيف أثّرت عليهنّ واستفدن منها.


أخيرًا آكام ليس لهنّ فقط آكام لنا نحن أيضًا كفريق العمل وربما ما نخرج به من آكام من ثراء التجارب والاستمتاع بها مع مرحلة عمرية هامة كهذه هو أضعاف ما نستطيع منحه لهنّ ، لذلك شكرًا لكلّ من لا يكون آكام إلا بها ، شكرًا للأصدقاء الذين نتقاسم معهم تفاصيل الرحلة بما يشقّ قبل أن يطيب على خارطة السعي وناصية الحلمِ و وسط شتات الأفكار.

الأحد، 1 أكتوبر 2017

نسيان


أمامي الآن إبر الأنسولين الخاصة بجدتي المتوفاة قبل ثلاثة سنوات  - رحمها الله - والتي أحتفظ بصورتها في هاتفي النقال وسط العديد من الصور المتكاثرة بسرعة مخيفة  ويعزّ عليّ حذفها أيضًا ، وتقع عينيّ على دفتر الذكريات الملقى على الطاولة والذي أحتفظ فيه بالكثير من الصور والكلمات القريبة إلي ،  وفي بعض رفوف مكتبتي هدية من هذه وأخرى من تلك ، وفي أسفل خزانة ملابسي ثمة بعض العلب والأكياس التي تحفظ وجوه أصحابها، وفي أجزاء متفرقة من غرفتي أحتفظ بأشياء كثيرة مماثلة ، غرفتي ذاكرة ! ذاكرة عصيّة على النسيان إلى حدّ ما.
عندما انتقلنا مؤخرًا إلى المنزل الجديد ، كان على غرفتي أن تتخفف ، كان على الذاكرة أن تفيض قليلاً حتى يكون هناك متسعٌ للجديد والمزيد.
فنسيت غرفتي أو على وجه أدق أنسيتها !

على الأقل غرفتي الذاكرة مطواعة،  أقرر لها متى تتذكر ومتى تنسى ، بماذا تحتفظ وعن ماذا تنأى ،  وهذا تحديدًا ما أفشل بفعله مع ذاكرتي هي عصيّة أيضًا لكنها قصيّة لا تطالها يداي العابثة. وهذا أكثر ما يرهقني ويُعجبني في آنٍ واحد.
تُرهقني حين أكرر محاولاتي البائسة في اجتثاث الأوجاع وتجاوز الخيبات و التخلص من البقايا ، التخلص من المفقودين وبقاياهم ، أولئك الذين تقرر الحياة نسيانهم وأخرون يقررون نسياننا نحن .
لكنها وفي لحظة مخاتلة تنسى ، تقرر لي أن أنسى !

في تلك اللحظة التي تبدو مستعدة فيها للتجاوز والمُضي ، للتعثّر بوجوه جديدة والامتلاء بما لم تعتد عليه كرائحة عطرٍ يحفظ قداسة اللقاء الأول ، وصوتٌ أثيرٌ تُربكني حتى أشباهه ، وهكذا تكرر الذاكرة دورتها على الدوام ، وأقبل ذلك منها.
ماذا لو نسيت قبل أن يحين الوقتُ المناسب ؟ ماذا لو تجاوزت قبل أن أتعثّر بالشخص المناسب ؟ ماذا لو مضيتُ قبل أوانِ حدوث ما يُدهشني ويُعجبني وأحب ؟

ماذا سأفعلُ بذاك الخواء الذي سيتمدد فيّ ، وكيف لي أن أسكت صدى الفراغ المتبجح ، أريد أن أمتلئ وأريدُ أن أنسى كيفما شاءت ذاكرتي لي ، وأريدُ أن أتعثر كيفما شاءت لي أيضًأ ، المهم ألاّ أفرغ وألا أتذكر.
أريد لرائحة عطر عابر طريق لم يقصد نبش الذاكر ؛ أن تربكني.
أريدُ لوجهه إذا ما التفتُّ مدفوعة بالحنين إليهم ، أن يصيبني بدهشة لقاء أول أشباههم الأربعين.
وأريدُ أن أمضي في الحياة بعينين مفتوحتين على اتساعهما ، تبحثان عن أكثر مما رأيتُ وعرفتُ وأتذكر ، والنسيان وحدهُ يضمن لي حياة حية كهذه.

تنسى ذاكرتي أحيانًا الأشياء التي تعجبني وتدهشني وأحب وهي إذ تفعلُ ذلك ، تجعلني أخفّ ثقلاً لأنّي بالتأكيد لن أحتمل الصداع الذي يمكن أن يصيبني إذا ما تذكرتُ كل اللحظات الجميلة على مدى 21 عامًا أو أقلّ قليلاً، إذ تنسى ذاكرتي فهي تمنحني فرصًا لا معدودة من الدهشة المتكررة ،وهي إذ تفعلُ ذلك ، أقدّر لها صنيعها الذي يجعل العالم حولي غيرَ مألوف ، لأكون في حضرته الطفل الذي يعتمد على حواسه الخمس فيرى ويسمع ويلمس ويشم ويتذوق ليفهم الحياة حوله ، ذاك الطفلُ الذي يعبّر عن انتصارات فهمه البسيطة بالنسيان وتكرار المحاولات.