أتأسّى باللغةِ حينَ أقرَأ الأدبَ وأصغِي للقَصِيدة.

الجمعة، 26 يناير 2018

رواية ثلاثية غرناطة


نتيجة بحث الصور عن ثلاثية غرناطة




بعضُ قصصِ التاريخ لا تُكتب احتفاء بما حققه المنتصرون ولا بكاءً وعويلاً على ما خلّفه المهزومون ، بعضُها تُكتب ليَنبتّ عقد الحكاية من المنتصف ، من اللحظة التي تلتقي فيها قدمُ الفلاحِ بالأرض التي لا يملك غير عمره حنطة لها ، فيبذرُ أكثره وإن حصد أقلّه.

وهذا ما أرادته رضوى لثلاثية غرناطة ( غرناطة ، مريمة ، الرحيل ).

لم تسلّم رضوى مآلاتِ الحكاية لأرض حربٍ ولا هزيمةِ معركة ، ولكنها وضعتها بين يديّ أبي جعفر الورّاق، وبدأتها من بيته وعلى تخوم وجعه حين أودت به فاجعة محارق الكتب التي افتعلها الأسبان ، فكانت جذوة النار التي أحرقت الكتب هي ذاتها التي أحرق الأسبان بها البشر مرة وأرواحهم مرات أخرى ،  جذوة النار التي لم تنطفئ أبدًا.

بدأت الحكاية من بيت أبي جعفر الورّاق عندما سلم أبو عبد الله محمد الصغير آخر ملوك الحمراء المسلمين مفاتيح غرناطة للملكين الكاثوليكيين الملك فرناندو والملكة إيزابيلا واستمرت على مدى ثلاثة أجيال ولكنها امتدت حتى شواطئ بلاد المغرب التي كان يرحّل إليها العرب عبر البحر أو يهربون فرارًا من المكان الذي ما عادوا  يعرفونه لا بأناسه ولا بلغته ولا معتنقه ، هكذا عالجت رضوى في روايتها عددًا من القضايا المضرمة في ضمير المجتمعات المحتلة.

كانت السطوة الأكبر في الرواية لكل مرسومٍ يصدره الأسبان ، يغتصبون معه حقًا جديدًا للعرب والمسلمين، مع كل مرسومٍ كانت تُقَضُّ مضاجع البعض بحثًا عن مخرجٍ يحفظ للأجيال القادمة حقها في دينها ولغتها وأرضها.

والبعض الآخر آثر السلامة بنفسه وعياله حتى وإن كلفته دينه وهويته.

والقلة التي تجد في نفسها رمقًا طويلاً تستطيع به الدفاع عن كلّ هذا ، تقرر أن يكون سرّها الحفاظ على دينها ولغتها بتمريرهما وتعليمهما للأجيالِ القادمة في بطون الكهوف أو تحت دهاليز البيوت المظلمة.

أفلحت رضوى في تصوير حياة الورّاق والفلاّح والنّجار والحدّاد والتاجر والفقيه والخادم بين صراعاتهم وهواجسهم كلٌ يبحث عن نجاته من استبداد المحتل وقسوته ، سواء كانت تلك النجاة إيمانًا بالنصر أو إيذانًا وتسليمًا بالرحيل أو دخولاُ تحت لواء التنصير.
هكذا نجحت رضوى في جذب جغرافيا الأندلس وتاريخها في ثلاثية فريدة ، لم يسبقها الولع بكتابة مشروعٍ ثقافيٍ تاريخيٍ ، ولا فضول التنقيب عن حقائق الفردوس المفقود ، تقول رضوى – رحمها الله – في إحدى محاضراتها :

"وأنا أتابع أخبار قصف العراق ، رأيت المرأة العارية تقترب وكأنني أبو جعفر الوراق في الرواية يشاهد في عريها موته  ، استبدّ بي الخوف وأنا أسأل : هل هو الموت الوشيك ؟ وإن كان فأي علاقة أديرها الآن مع موتي ؟ ومع السؤال داهمتني غرناطة فبدأت أقرأ. أعتقد أن رواية غرناطة بدأت في تلك اللحظة."

جاءت ثلاثية غرناطة  كواحدة من الروايات التي تردّ على مزاعم من يدّعي بأنّ
" الروايات لا تسمن ولا تغني من جوع "

 جاءت هذه الرواية لتفتح بابًا من أبواب الوقوف على التاريخ ، والتحريض على نبشه وفهمه، وحملت بين طيّاتها مرآة قادرة على وضع الإنسان في مكاشفة حرجة مع الذات ، مع الاعتوار الذي يعتريه أكثر من الاستقامة التي يدّعيها.

وعلى امتداد الحكاية حضرت في ذهني أبيات قصيدة " أندلسان " للشاعر محمد عبد الباري ، حضرت هذه المقاطع منها تحديدًا:

" يا أنتَ أندلسُ المكانِ قريبةٌ
مقدارَ ما القوسُ استعادَ سهاما "
" يا أنتَ أندلسُ الزمانِ بعيدةٌ جدًا
فكن لليائسين إمامًا "
" غرناطةٌ مالا يزار لأنها وقتٌ
وهذا الوقتُ صارَ حطاما "

ولم تكن لغة الحكاية أقلّ ثقلاً فقد حمّلتها رضوى مفرداتها الرصينة وتفصيلاتها الدقيقة وتشبيهاتها البديعة غير أنها أفرطت في التفصيل و التشبيه حدّ أن قلصت المساحة المتاحة للقارئ حتى ينسج في خياله حكاية غرناطته الخاصة.



أسئلة تنتهك خصوصية القراءة


نتيجة بحث الصور عن قراءة




بقدر الخصوصية التي تسفر عنها ممارسات الفعل القرائي تبدو الأسئلة من قبيل ما سيأتي أسئلة موغلة في التجاوز والانتهاك.

ما هي القراءة ؟
من هو القارئ ؟
منذ متى بدأت القراءة ؟
ما أكثر الكتب تأثيرًا فيك ؟
ما هو كتابك المفضل ؟
لماذا نقرأ ؟
كيف نقرأ ؟

على اعتبار أنّ ماهية القراءة هي باكورة تلك الأسئلة وأكثرها التباسًا أيضًا. فلن نجد إجابة جاهزة نستدعيها في حضرة هذا السؤال.

لن يجد القارئ على مرّ تجاربه القرائية إجابة واحدة يستطيع إسقاطها على كل المراحل التي مرت بها علاقته بالقراءة.

فالبعض إذ يذكر تجربته الأولى في حمل مجلات باسم وماجد وميكي وغيرها منتشيًا بقدرته على فك رموز النصوص الموجودة فيها وفهمها ً وتعبيره عن انتصاره بقراءتها بصوتٍ عالٍ ، لا نستطيع إنكار أنه كان قارئًا.
وإن أدرك في مرحلة قادمة عبثية الحالة التي عاشها  فيما سبق  في حين أنه يقف على تجربته في قراءة الروايات الموجودة على المنتديات حين كانت تلك الصيحة في ذروتها يتغيّر مفهوم القراءة لديه ليجد أنها وسيلته للوقوف على الحكايات المضمرة في نفوس أصحابها والتي قد تمسّه في واقعه أو شخصه ولم تكن تتأتى له في جلسة من جلسات الجدات ولا مآثر النوادر والمرويات.

فهل نستطيع الاعتداد بتلك التجربة كبداية حقيقية في القراءة ؟

قد يعوّل عليها البعض ولا يفعل ذلك البعض الآخر حين يتجاوز تلك المرحلة فيسخط على كل الأيّام التي قضاها بعيدًا عن كتابٍ يمسكه بيديه ويخلق معه طقوسه الخاصة ، معلنًا  أنه غدا قارئًا منذ دلوفه الأول إلى المكتبة لاقتناء كتاب !

وقد نجد من يتخيّر تجربة تواجده الأولى في نادي قراءة  بداية مميزة للتعاطي مع الفعل القرائي  حيث وجد من يشاركه الاهتمام ويوقفه على تقنياتٍ قرائية لم يعتد استخدامها  ويفتح له آفاقًا على تعدد القراءات الممكنة للنص الواحد وتأويلاته.


سؤالٌ آخرٌ مربك حين يُسأل قارئ ما ، ما هي أكثر الكتب تأثيرًا فيك ؟

ليجد أن حيلته الوحيدة هي استعراض كلّ تجاربه القرائية بتأثيراتها وامتداداتها ، فإن كان لكلِ مرحلة تعاطيها الخاص مع الفعل القرائي ؟ ما هي أكثر الكتب تأُثيرًا فيه ؟

التي هذّبت لغته ؟ أو التي أحالته إلى مجالاتٍ لم يعهدها وأفكارٍ لم يألفها ؟ أم أنّها الكتب التي بلورت لديه مفهومًا أكثر عمقًا عن القراءة ؟ وربما تكون الكتب التي وضعته في مكاشفة مع نفسه.

لذلك لا يقنعني قارئً  يستطيع أن يؤطر قائمة تفضيلاته القرائية في عدد قليل من الكتب في حين أنه لا يستطيع أن يعيش علاقة مستقرة مع القراءة ، خاصة وأني سأجد فيما سأقف عليه من إجاباته ما يعبّر عن كونه مدينًا حتى لتلك الكتب التي تعثّر بها ، أو التي أوصدت أبوابها دونه ، وأخرى ساهمت في تشكيل ذائقته حسبما يحب وما يتجنب.

القارئ موعودٌ دائمًا بلقاءٍ أوّل مع القراءة ، في حضرة كلّ الكتب التي لم يقرأها بعد ، ليدشّن بدايته الحقيقية.
ولا تبدو أسئلة مثل لماذا نقرأ ؟ وكيف نقرأ ؟ أقل فظاظة مما سبقها ، فكيف يرتضي القارئ أن يملي أحدٌ عليه مبرراته الخاصة وأن يرتّل إجابات الآخرين كنصٍ مقدّس ينتهك حرمة ممارساته القرائية ويمزق أستار العلاقة التي يستعذب هلاميتها. هو يحترم الأسئلة التي تقر بفرديته ، الأسئلة على شاكلة لماذا تقرأ ؟ وكيف تقرأ ؟ ينصت ليبلور فلسفته.

القارئ يعرفُ جيّدًا أن الفعل القرائي يخصّه وحده.



 تمّ نشره على موقع كتبجي

أسئلة تنتهك خصوصية الفعل القرائي

الأربعاء، 24 يناير 2018

حمام الدّار قد يغيب



لا يُمكن لهذا النص أن يُقرأ قراءة واحدة إذ تكون قراءة مستطلعةً تحدد ملامح الصورة بكلياتها ، هذا النص كُتب ليُقرأ مرة ثانية ، مرة تستطيع من خلالها أن تُشير إلى مواضع الأشياء التي تعرّفتها. مرة تشي بأسرار غياب حمام الدار وتفكك فلسفته.

كتب السنعوسي هذه الرواية بلغة جيدة وذكاء بالغ راوح به بين شخصيتين كلّ منهما صانع الآخرِ ومصنوعه ، بعيدًا عن إطار الزمان وملامح المكان الواضحة استطاع أن يقدّم لنا قصّة غير موجعة برغم أنها تشاكس فينا معنى الفقد.

بدأت الرواية بمراوغة مأزق الكتابة ، حين تحضر الفكرة وتتمنّع في آنِ معًا ، بدأت وهي تشير بصباحاتها وأصابعها الخمسة إلى هاجسِ الدُّرجِ السفليّ وظلمتِه التي تبتلع كل الأعمال الغير تامة ، فكان الدُّرج السفلي هاجسًا لأبطال الرواية أيضًا، مما جعلهم يشاركون الكاتب في محاولاته لاستدراج نهايتهم. نهاية الفكرة والنص والأبطال.


أما أحجية ابن أزرق فقد تجلّت في واقع الشخصيتين
" عرزال ومنوال "

فقد كان عرزال كهلاً لم يعرف من ماضيِه غير أمسه ، وهي لحظة ميلاده على ورق كاتبه وصانعه ، باحثُا عن المعنى ، عن مسوّغات تشبثه بالحياة وعدوله عن الموت ، متعلقًا بعبثية لا يفهمها بالحمامة الأم فيروز على دكة نافذته وفرخيها زينة ورحّال ، ولا يميّز رتابة أيّامه غير دفتر مذكراته القابع على المنضدة بجانب سريره والذي يطل منه على الأمس الملتبس لديه والماضي الذي أراده له كاتبه برغم أنّه لم يعشه ولا يتذكره ، ماضٍ يربطه بأزرق والحمامة وفرخيها وبصيرة وتعويذتها التي يحملها القارئ معه على امتداد النص حتى يفهم حكاية " حمام الدار الذي لا يغيب وأفعاه التي لا تخون "

وحين يحضر منوال يبدو منطق حكاية عرزال أكثر وضوحًا
من حيث امتدادات القصتين واختلاف الأبطال وتجلياتُ الفقدِ والنهايات المعقودة ببداياتها ، في حضرة منوال ندرك أنّ حمام الدار حين يغيب قد لا يعود ، واحتمالاتُ العودة آمال يصيّرها الانتظار إلى أوهام، والأزرق الآخذ لا يستطيع المنح ، وفيروز أمّه التي لا يذكّر غير غنائها الذي يؤنسها و تواجهُ بهِ خوفها وتبرأ به من آمالِ انتظار الغائبين.


لم يكتمل النص ، ولم تحن النهاية ، فتحقق للكاتب ما كان يهجس به ابتداءً، آلت الحكاية إلى مصيرها إلى ظلمة الدُّرج السّفلي
هكذا ينهي السنعوسي الرواية.
  رواية حمام الدار " أحجية ابن أزرق "


وبهذا أنهي أول تجربة قرائية لي معه ، لأبدي إعجابي بذكائه في تصوير أفكاره وبتقنيته المتميزة في كتابة هذا النص ، وتركيزه على الشخصيات التي أخذت بيد الأحداث لينتجَ لنا سردًا متعدد التأويلات ومحرّضًا على إعادة القراءة .
 وقد كتب السنعوسي روايته بلغة سهلة لها إلماحاتها و حاولَ على امتداد النص أن يحافظ على سلامتها في حين وقع في عثراتٍ لغوية قليلة جدًا.





السبت، 7 أكتوبر 2017

افتتاح آكام 3




عبّرت لي صديقة ذات مرة عن ضرورة مشاركة الأصدقاء حين تداعب أحد الأحلام خيالاتنا ، حين نقرر في لحظة عاصفة ترتيب أوراق الحياة المبعثرة بين أيدينا ، ولملمة شتات الأفكار والأمنيات.

لم آخذ الفكرة حينها على محمل الاقتناع تمامًا ، لكنني أومأتُ برأسي ربما مجاملة وربما على نحوِ ترك الفرصة لتجارب الحياة كي تثبت لنا ما قالته أو العكس ، بعد فترة ، جاءتني الصديقة وكأنها لا تريد لنا الانتظار ، فخلقت بنفسها أوّل تجربة مختلفة جاءت في مقام الاحتفاء بالأصدقاء ، في مقامِ المشاركة التي لا تقتصر على " العيش والملح " ولتكن الإنجازات والعثرات والنجاحات وأسرار المخاوفِ وما للثقة والإيمان من مساحات تجمع بيننا.

فكانت تجارب كثيرة أحدها " مشروع آكام " كبذرة أودعها الله بيدِ صديقتي خولة وعلى نحو ما شاء في أقداره كنتُ أنا وصديقات أخريات قائماتِ على ريّ تلك البذرة حريصاتٍ على نموها شاهداتٍ على لذة حصادها.

آكام كان حُلمها وحدها حلمًا باعدت المخاوف بينها وبينه قبل أن يُخلق كاملاً ، ثمّ ها هو اليوم يكبرُ موسمًا فآخر بسعينا جميعًا ، ويكون في عمرِ الكثيراتِ تجربة ، فريدة ، تختلفُ مكاسبها.
آكام هو مشروع نستهدفُ فيه الفتيات في المرحلة المتوسطة والصف الأول الثانوي ، لمساعدتهنّ في التعرّف على مسارات الحياة ( الروحي ، الاجتماعي ، الثقافي ، الصحي ، المالي ، المهاري ) من خلال مجموعة من الفعاليات المتنوعة والتي تُكسبهن القدرة على تحقيق النمو المتوازن في كل هذه المسارات واكتساب مهارة التعلم الذاتي فيها.

اليوم 17 / 1 / 1439هـ  كان افتتاحُ الموسم الثالث من آكام
ومذ بدأنا آكام بموسمه الأول غدت أصباحُ السبتِ أثيرة لدي ، كيف لا وهي ميعادي مع وجوهٍ طيّبة يطفرُ الحماس من عينيها ، مع أرواحٍ أشعر بقربها مني على نحوٍ لا أستطيع التعبير عنه بدقة ، غيرَ أن غاية ما أرجوه لها أن تحقق انتصاراتها العظيمة على نفسها ، وتنجو من مهالكِ الحيرةِ التي لا يفلتُ منها من أعجزتهُ مفترقات التّيه ، وأعيته أفاق العالم المتصاغرة بعينيه ، غير أنّ غاية ما أرجوه لتلك الأرواح أن تعيش تجربة مميزة وفارقة في رحلةِ العمرِ الممتد إلى أقصى ما تستطيع الوصول إليه حين تعرف ما تريد وتؤمن بالغاياتِ البعيدة ، القريبة.

آكام جمع أكمة وهي تعني " التل المرتفع " تم اختيار هذا المسمى لغرابته وجماله ورمزيته المتعلقة بالتميز على مستوى الأقران.

في افتتاحية الموسم الثالث اليوم اجتمعن والدات المشتركات برئيسة جمعية واعي للتوعية والتأهيل الاجتماعي د. فتوحة الأندونيسي والتي حرصت على تبصيرهنّ بفكرة البرنامج وأهدافه وكل ما يتعلق بمصلحة المشتركات ، أمّا نحن كفريق عمل فقد قضينا الوقت مع المشتركات الجميلات حيث تمّ التعارف بيننا في أجواء مرح ممتعة ، ثمّ حرصنا على تعريفهن بالبرنامج وأهدافه ، وطريقة العمل والانجاز في المسارات طوال فترة البرنامج ، واستضفنا مشتركتين  مميزتين من مشتركات الموسم السابق ( الشيماء الشهري ، منار الأحمدي ) حتى يستقين التجربة ممن عشنها وكيف أثّرت عليهنّ واستفدن منها.


أخيرًا آكام ليس لهنّ فقط آكام لنا نحن أيضًا كفريق العمل وربما ما نخرج به من آكام من ثراء التجارب والاستمتاع بها مع مرحلة عمرية هامة كهذه هو أضعاف ما نستطيع منحه لهنّ ، لذلك شكرًا لكلّ من لا يكون آكام إلا بها ، شكرًا للأصدقاء الذين نتقاسم معهم تفاصيل الرحلة بما يشقّ قبل أن يطيب على خارطة السعي وناصية الحلمِ و وسط شتات الأفكار.

الأحد، 1 أكتوبر 2017

نسيان


أمامي الآن إبر الأنسولين الخاصة بجدتي المتوفاة قبل ثلاثة سنوات  - رحمها الله - والتي أحتفظ بصورتها في هاتفي النقال وسط العديد من الصور المتكاثرة بسرعة مخيفة  ويعزّ عليّ حذفها أيضًا ، وتقع عينيّ على دفتر الذكريات الملقى على الطاولة والذي أحتفظ فيه بالكثير من الصور والكلمات القريبة إلي ،  وفي بعض رفوف مكتبتي هدية من هذه وأخرى من تلك ، وفي أسفل خزانة ملابسي ثمة بعض العلب والأكياس التي تحفظ وجوه أصحابها، وفي أجزاء متفرقة من غرفتي أحتفظ بأشياء كثيرة مماثلة ، غرفتي ذاكرة ! ذاكرة عصيّة على النسيان إلى حدّ ما.
عندما انتقلنا مؤخرًا إلى المنزل الجديد ، كان على غرفتي أن تتخفف ، كان على الذاكرة أن تفيض قليلاً حتى يكون هناك متسعٌ للجديد والمزيد.
فنسيت غرفتي أو على وجه أدق أنسيتها !

على الأقل غرفتي الذاكرة مطواعة،  أقرر لها متى تتذكر ومتى تنسى ، بماذا تحتفظ وعن ماذا تنأى ،  وهذا تحديدًا ما أفشل بفعله مع ذاكرتي هي عصيّة أيضًا لكنها قصيّة لا تطالها يداي العابثة. وهذا أكثر ما يرهقني ويُعجبني في آنٍ واحد.
تُرهقني حين أكرر محاولاتي البائسة في اجتثاث الأوجاع وتجاوز الخيبات و التخلص من البقايا ، التخلص من المفقودين وبقاياهم ، أولئك الذين تقرر الحياة نسيانهم وأخرون يقررون نسياننا نحن .
لكنها وفي لحظة مخاتلة تنسى ، تقرر لي أن أنسى !

في تلك اللحظة التي تبدو مستعدة فيها للتجاوز والمُضي ، للتعثّر بوجوه جديدة والامتلاء بما لم تعتد عليه كرائحة عطرٍ يحفظ قداسة اللقاء الأول ، وصوتٌ أثيرٌ تُربكني حتى أشباهه ، وهكذا تكرر الذاكرة دورتها على الدوام ، وأقبل ذلك منها.
ماذا لو نسيت قبل أن يحين الوقتُ المناسب ؟ ماذا لو تجاوزت قبل أن أتعثّر بالشخص المناسب ؟ ماذا لو مضيتُ قبل أوانِ حدوث ما يُدهشني ويُعجبني وأحب ؟

ماذا سأفعلُ بذاك الخواء الذي سيتمدد فيّ ، وكيف لي أن أسكت صدى الفراغ المتبجح ، أريد أن أمتلئ وأريدُ أن أنسى كيفما شاءت ذاكرتي لي ، وأريدُ أن أتعثر كيفما شاءت لي أيضًأ ، المهم ألاّ أفرغ وألا أتذكر.
أريد لرائحة عطر عابر طريق لم يقصد نبش الذاكر ؛ أن تربكني.
أريدُ لوجهه إذا ما التفتُّ مدفوعة بالحنين إليهم ، أن يصيبني بدهشة لقاء أول أشباههم الأربعين.
وأريدُ أن أمضي في الحياة بعينين مفتوحتين على اتساعهما ، تبحثان عن أكثر مما رأيتُ وعرفتُ وأتذكر ، والنسيان وحدهُ يضمن لي حياة حية كهذه.

تنسى ذاكرتي أحيانًا الأشياء التي تعجبني وتدهشني وأحب وهي إذ تفعلُ ذلك ، تجعلني أخفّ ثقلاً لأنّي بالتأكيد لن أحتمل الصداع الذي يمكن أن يصيبني إذا ما تذكرتُ كل اللحظات الجميلة على مدى 21 عامًا أو أقلّ قليلاً، إذ تنسى ذاكرتي فهي تمنحني فرصًا لا معدودة من الدهشة المتكررة ،وهي إذ تفعلُ ذلك ، أقدّر لها صنيعها الذي يجعل العالم حولي غيرَ مألوف ، لأكون في حضرته الطفل الذي يعتمد على حواسه الخمس فيرى ويسمع ويلمس ويشم ويتذوق ليفهم الحياة حوله ، ذاك الطفلُ الذي يعبّر عن انتصارات فهمه البسيطة بالنسيان وتكرار المحاولات.


الخميس، 14 سبتمبر 2017

فخّ التخصصات التي لا تؤمّن المستقبل




تبقّى القليل على بداية العام الدراسي ، وكعادتنا مع كل بداية ، نشحذ هممنا ونتوق لتقديم أفضل ما لدينا خلال السنة الدراسية ، ونفكّر في كيفية سير السنة والعقبات التي ربّما نواجهها والمعدل الذي نصبو إلى تحقيقه ، ولكن للبعض بدايات مختلفة ، بدايات جديدة بمثابة المنعطفات ، لا يدري معها إلى أين سيصل وما ستؤول إليه النتائج ، هذه بدايات الطلبة المستجدين في الجامعة والذين أخصّهم بحديثي هنا.

" مبارك تمّ قبولك في تخصص .............." عند وصول هذه الرسالة إلى هاتفك المحمول ستتزاحم المشاعر لديك حسب التخصص الذي تمّ قبولك فيه مقارنة برغبتك الشخصية أو ربما رغبة الأهل أو محاباة الأصدقاء ، وفي حال جاءك القبول في تخصص يوافق رغبتك ويخالف رغبات من حولكِ ، أفهم ما ستشعر به من قلق إزاء إبلاغهم بالأمر وإزاء مواقف التأنيب المكررة التي ربما تواجهها طوال سنوات دراستك الجامعية ، كما أفهم موقف الكثير ممن حمّلهم أهلوهم أو البعض ممن حولهم ثقل توقعاتهم وتوجيهاتهم التي تخالف ميولهم ورغباتهم بزعم أنه متفوق ويستحق الأفضل أو بمزاعمَ غيرها ، كم منّا انتظر منه أهله أن يتخصص في الطب أو الهندسة أو تخصص له مستقبل على الأقل ؟! ماذا لو كان أكثر أفراد المجتمع من العاملين في ميادين الطب والهندسة والتخصصات العلمية – التي ترتقي بالمستقبل وتؤمنه على حدّ زعمهم – من سيمسك بباقي أطرافِ العلوم ، شرعية كانت أو إنسانية ؟ من للعقيدة والشريعة والقراءات ؟ أو من لعلوم الاجتماع وعلوم النفس والتربية ؟ وغيرها من التخصصات.

يُسفر الواقع وينطق المنطق عن أنّ المجتمعات لا يمكن لها النهوض أو التقدم وهي تعوّل على جانبٍ واحد من العلوم أو ترتكز على ركيزة واحدة منها ، لا تنهض المجتمعات وهي تحاول التصدي لمشكلات الصحة التي تعتري جسد الإنسان وتتجاهل مشكلات الصحة التي تعتري فكره وعقله ونفسه ، تعيث  المجتمعات بجهودها عبثًا وهي تحاول تشييد الأبنية العالية وصناعة المركبات وتحديث التقنيات ، في حين أنها عاجزة عن إيجاد قاعدة رصينة متينة في علوم الشريعة والدين ، حتى يكون لكل مساعيها غاية ومعنى مرتبطة بوجود الإنسان في مجتمعه وعلى أرضه. وكيف بالأساس نصف المجتمعات بأنها مجتمعات تحوي تنظيمات بشرية تتفاوت في طبقاتها وأصولها وتكويناتها العرقية أو نستطيع على الأقل فهم التفاعل والتكامل القائم بين أنساقها المختلفة دون الاستناد على علوم الاجتماع والأنثروبولوجيا ؟!

ثمّ في ظلّ وفرة الأيدي العاملة التي يشهدها المجتمع اليوم ، ما هي التخصصات التي تكفل للفرد مستقبله الوظيفي ؟! نحن لا نريدُ المزيد من الأطباء لكن نريدُ المتميزين منهم ، ولا نريد المزيد من المهندسين لكن نريد الأفضل منهم ، نريدُ منهم من يضيفُ إلى علمه ويرقى بمجتمعه ، لا من ينتظر أن تزداد قيمته هو بإضافة حرف "د" قبل اسمه ، ولا من يتعامل مع لقب المهندس وكأنه وسامُ تشريفٍ خالٍ من تكاليف مسؤولية الارتقاء بتخصصه ومهنته.
أستشهد هنا بعبارة د.طارق السويدان التي سمعتها عندما كنت حائرة ، تائهة في فترة اختيار التخصص الجامعي ( الدخول في الازدحام يحتّم عليّ التميز فيه )

ثمّ أستشهد بإحدى نصائح والدي التي طالما كررها على مسامعي ( تتاح الفرص وتتعدد الخيارات أمام المتميزين الذي يفعلون ويقدّمون أكثر مما يفعله ويقدّمه أقرانهم أو غيرهم )

آخر ما أودُّ التطرق إليه هو أني حين كنت أتجوّل بحثًا عن مفاتيحٍ تُسهّل عليّ عملية الاختيار وتُملّكني أدواته المعرفية ، كانت معادلة ( الفرق ) هي أكثر ما لفت انتباهي ، هذه المعادلة التي تأخذ بيدي كلّ من أرّقته حيرة اختيار التخصص أو المجال المناسب ، ماذا تعني هذه المعادلة ؟!
فرق ..
ف : تُشير إلى الفرص الوظيفية خاصة أو الفرص التي يُتيحها التخصص أو المجال في سوق العمل عامة.
قناعتي الشخصية تنطوي على أنّ الفرص نوعين :
-        فرص تأتيك لأنكّ مؤهلٌ كفاية لاستحقاقها.
-        وفرص أخرى أنت وحدك من يستطيع خلقها وإيجادها.
ر : أما الراء فهي الحرف الذي يكُنّ لك كل التقدير والاحترام لأنه يبحث عن ( رغباتك وميولك ) أي ماذا تريد أنتَ وماذا تُحب وبماذا تستمتع ؟
                               وهنا أستذكر مقولة للدكتور : طارق السويدان      
( الذي يعمل فيما يُحسن سيُنتج ، والذي يعمل فيما يُحب سُيبدع )
أخيرًا تنتهي معادلة الفرق بسيدة الموقف ألا وهي القدرات :
" أي كلٌ مُيسرٌ لما خُلقَ له "
للإنسان قدرات ومواهب وإمكانيات فطرية لا تنتظر سوى التوجيه والتشذيب والتنمية وفي مقابل هذا لا يعني أنّه لا يمتلك قابلية تعلم الجديد والمزيد فالعلم بالتعلم.
وهذا يعني أنّنا نمتلك أيضًا القدرة على مضاعفة قدراتنا كلٌ حسب سعيه وهمته واستطاعته.
إذن اختياراتنا في الحياة هي ما تصنع الفرق.

هذه التدوينة هي خلاصة كل التجارب التي مررت بها منذ فترة اختياري لتخصصي الجامعي وحتى اليوم ، هذا التخصص الذي وبخني على الالتحاق به الكثيرون بدعاوى كثيرة وأهمها " الخدمة الاجتماعية تخصص ما له مستقبل " إن كانوا يعتقدون أنّ المستقبل كله ينحصر في مجرد وظيفة فبشراي لكلّ من وبّخني أو استنكرّ علي ، أني إلى الآن وقبل تخرجي قد عُرضت عليّ 3 وظائف ، لأنّ الفضل كل الفضل والرزق كل الرزق بيدِ الله وحده ، والمستقبل الذي أريده وأتمناه أكبر من مجرد وظيفة.


كنتُ هنا بمودتي ودعواتي للطلبة المستجدين بالتوفيق والتميز.

الجمعة، 8 سبتمبر 2017

إلى الأطفال الذين لا يفهمهم الكبار




أقول / تقول / يقول :
إلى طفل أوحد كنته وإلى أطفال كثر لم أكنهم.
إلينا نحن الذين نشابه بعضنا ولا نتشابه.

كم سخرت كتبُ والدي التي كانت في الرفوف العليا من المكتبة من قفزاتي المتكررة الآملة في الوصول إلى كتابٍ واحد ، حتى أقلب عابثة صفحاته ، أمزّق بعضها وأحاول سبر أغوار البعض الآخر ، حتى ألوك الكلمات الشهية وأتذوّق عصارة فكر أو عاطفة كاتبٍ ما أو أحاول بعجب في نفسي فكّ رموز الأسطر الماثلة الأمامي بأول الأحرف التي أتقنت لفظها " ب ب ، م م ، ت ت "
فأختزل كلّ الجهد المبذول لمؤلفِ ما بأحرفي البسيطة وأشعر بالانتصار.
ولكن يا للأسف كنتُ أقصر من أن أطال كلّ ذلك المجد وكان أبي أحرص من أن يفرّط بكنزه الخاص وكتبه الثمينة ويجعلها في متناولِ طفلِة مشاغبة مثلي لا تقدّر قيمة الكتاب وتحاولُ عبثَا فهم العالم حولها ببعض محاولاتٍ ساذجة.


أمّا أنتَ فقد كانت قصتك مختلفة لكنها مُحبطة هي الأخرى ، فعلى العكس مني ، كم حاولَ والداك أن يدسّا وجهك بين دفتيّ كتاب ، في كل فرصة تسنت لهما .
-         تريد أن تخلد إلى النوم ؟ اصطحب كتابًا معك وسيكون خير أهزوجة تغفو على إيقاعها.
-         مللتَ من مشاهدة التلفاز ؟ اقرأ كتابًا فهذا أنفع لكَ حتى تزداد ثقافتك وتتسع آفاق معرفتك وتُثري مخيلتك.
-         تُريد أن تلعب مع الرّفاق ؟ حسنًا ولكن انتهي من وردك اليوميّ في القراءة وستكون مكافأتك ، قضاء وقتٍ أطول  معهم.
-         - حان موعد الرحلة الأسبوعية للعائلة ؟ لا تنسى أن تأخذ كتابك حتى تستثمر وقتك إلى حين الوصول إلى الوجهة المحددة.
وهكذا تضيق أنفاسكّ كلما رأيتَ كتابًا ما ، فتختنق بتوجيهات الضرورة والوجوب والإلزام ،  وتضيع رغمًا عنك ، الحياة التي أردت أن تعيشها طفلاً ، طفلاً يُمارس الحياة دون أن يشعر بأنّ هناك ثمنٌ مقدمٌ أو موخرٌ يشق عليه ويجب دفعه.


مهلاً وأنتَ قبل أن تهرب دعنا نتحدّث قليلاً عن مأساتك ، أنت الذي تعتبر القراءة فعل مقاومة لكل عوارض الحياة ، تقاوم الملل بالقراءة ، تقاوم الحزن بالقراءة ، تقاوم العجز بالقراءة ، تقاوم الوحدة بالقراءة ، تقاوم الخوف بالقراءة ،  فالقراءة توفّر لك منافذ الهرب الممكنة من الحياة وإليها.
ثمّ تضطر لسماع تعليقاتٍ قاسية من الكبار ، من قبيل : أنت تُنهك نفسك بالقراءة  ، تضعف نظرك وتخفض مستويات صحتك ، وتقلّص دائرة علاقاتك الاجتماعية وتجنح للعزلة ، ويتراجع مستواك الدراسي. إذن عليك الآن أن تتوقف !
نعم تتوقف عن القراءة.
يصدرون قرارهم ويذهبون ، دون أن يتريثوا ليفهموا أنهم بهذا يصادرون حقك في المقاومة ، أنهم من ينهكك الآن فعلاً ويجرّدك من سلاح مقاومتك الوحيد.
فكيف ستقاوم مأساتك الآن ؟


إلى الكبار الذين لا يقدّرون محاولات طفلٍ يريد أن يقرأ أو يرفض ذلك
إليهم هم الذين يشابهون بعضهم ويتشابهون في قسوتهم حينما لا يفهمون المغزى وراء هذا المقطع لدانيال بناك من كتابه " متعة القراءة "
" لا يتحمّل فعل - قرأ – صيغة الأمر. وهو اشمئزاز تشاطره إيّاه عدّة أفعال أخرى ، كفعل " أَحَبَّ "  .... وفعل " حَلَمَ " طبعًا تبقى المحاولة ممكنة ، هيّا لنحاول
( أحبّنِي ، اِحلَم ، اقرَأ ) !"
ليكرر الكبار الذين أقصدهم ذلك المقطع أكثر من مرة ، حتى يشعروا تحديدًا بما تخلّفه قسوتهم على الأطفال حين يستخدمون فعل " القراءة " بصيغة الأمر ونهيه.

قساةٌ أنتم إذ تصادرون حقّ الأطفال حين تقفون عائقًا بينهم وبين كلّ ما يحاولون الوصول إليه ، حتى يلمسوه ويتحسسوه ، ويشتمّوه ، ويتذوقوه ، ككل شيء حولهم ، كالكتبِ مثلاً في محاولةِ ربما تكون ساذجة وعابثة لكنها بالتأكيد ستساعدهم في فهم جزءٍ من العالم وربما قد تؤسس لعلاقة وطيدة بينهم وبين المكتبة في يومٍ ما.

قساةٌ أنتم حين تحاولون جبرًا خلق علاقة ما بين الأطفال والكتب من باب الثقافة والمعرفة و دعاوى أخرى واهية لا يستطيعون فهمها ولا الإيمان بها وكل ما يعرفونه أنّها تقيّدهم وتختزل كل الحياة التي يتشوقون لخوضها بين دفتيّ كتابٍ هزيلٍ يقتطع من أعمارهم ، ولا يستوعب أحلامهم ، فإنّ لمّ تكن المتعة بمختلف ضروبها هي الباب الأوّل الذي يدلفون منه إلى القراءة وعالم الكتب ، فقد يكون عمر العلاقة التي تؤسسون لها قصير وقلما يثمر.

قساةٌ أنتم ، حين تحمّلون فعل القراءة أوزاركم ، فالأطفالُ الذين يتعاملون مع الكتاب كصديق يدفع عنهم كلّ مالا يطيقونه من عوارض الحياة ، منكم أنتم في بعض الأحيان ، يضعفون ، يتهاوون ويسقطون إذا ما جُرّدوا من سلاحهم الوحيد ، فهل تزيدون على أوزاركم وزرَ طفلٍ يحيا ليقرأ ، ويقرأ ليحيا.