أتأسّى باللغةِ حينَ أقرَأ الأدبَ وأصغِي للقَصِيدة.

الأربعاء، 22 سبتمبر 2021

مُيَسِّرة في صوت الشباب


 



" نحنُ نبحثُ عن صوت ..

أكثر هدوءًا، وأكثر قوة

أكثر عمقًا، وأكثر دقة..ودقة

أكثر فنًا ..

صوتٌ أكثر وصولًا وذكاءً

نحنُ نبحثُ عن .. صوتِ الشباب"


كانت هذه مقدّمة أحد إعلانات البرنامج التي أعجبتني نصًا وصورة.


برنامج صوت الشباب هو أحد برامج مؤسسة مسك الخيرية (مؤسسة الأمير محمد بن سلمان-حفظه الله) وإسهام من الإسهامات المعرفية التي تقدمها عناية بالاستثمار في الشباب السعودي فكرًا وخبرةً وقدرة.


تتمثل أحد الأهداف الجوهرية لهذا البرنامج في دفع الشباب نحو التعبير عن قضاياهم وقضايا مجتمعاتهم المحليّة بشكلٍ واعٍ وطرحٍ نوعيٍ فاعل.


وقد انطلق البرنامج في دورته الأولى من ثلاث مناطق هي: منطقة الجوف، ومنطقة جازان، والمنطقة الشرقية متمثلة في مدينة الأحساء مع إتاحة فرصة المشاركة للشباب في جميع مناطق المملكة العربية السعودية.


وعلى مدار أربع مراحل: تبدأ بورش تعليمية حول مهارات التواصل والإقناع ثم مرحلة الحوار كتدريب عملي للشباب لتوظيف مهارات الحوار وأنماط التفكير المختلفة لديهم -وهذه المرحلة التي سُعدت باختياري كمُيسرة فيها- تليها مرحلة تركز على مهارات التفكير النقدي لدى المشاركين وانتهاءً بمرحلة الإعداد للقاء صانعي القرار في كل منطقة من المناطق الثلاث.

 

مُيَسَّرة!

عندما أتمعّن في الكلمة، أدرك أني قبضتُ عليها أثناء ارتقاء مكتبتي، رفًا تلوَ رف، كتابًا بعد كتاب، إنها فضيلة الإنصات إلى الأفكار والاشتباك الهادئ معها، ومغبة التورّط في عمليّتين لذيذتين: القراءة والكتابة معًا. هكذا بدأ الأمر معي، ولا زال حتى الآن.

دوري كمُيسرة في البرنامج كان يقتضي ممارسة هذه المهارة التي أدّعي إتقانها " الإنصات " في مقابل السيطرة على لهف الحديث أو الإمساك بزمام الأمور؛ لأنّ جريانها على سجيتها بعد قذفي للحصاة (تقنيات الحوار ومثيرات الأفكار)  يضمن للمشاركين جلسة حوارية إثرائية ماتعة يشكلونها كيفما أرادوا.

أيضًا كان عليّ أنّ أرسي قواعدًا آمنة، تكفل لكل مشاركٍ حقَّ التعبير عن نفسه وأفكاره وما يودُّ طرحه، حق تقدير اختلاف سياقاته ومنطلقاته عن غيره.

وكم كان الأمرُ ممتعًا؛ فهأنا من جديد وسط طوفانٍ عارمٍ من التصورات والرؤى المتفاوتة والمختلفة، بعضها محطٌ للنظر والإمعان والآخر محطٌ للإعجاب والثناء ومع ذلك كنتُ أحاول الحفاظ على الحياد؛ لأني في نهاية المطاف مُيسِّرة! بكل بساطة، لقد كنتُ أفعلُ ما أجيده وأحبّه، وهذا يعني لي الكثير جدًا.


إنّ هذا البرنامج المميز إلى جانب غيره من البرامج الشبابية اليوم، باتت تخلق حراكًا ثقافيًا واجتماعيًا رائعًا وتسهم في تنمية القدرات البشرية من خلال تمكين الشباب وتجويد الأدوات التي يمتلكونها في سبيل مساهمتهم لتلمس احتياجات مجتمعهم في مختلف القطاعات وإشراكهم في عملية التخطيط وخلق الحلول التنموية المبتكرة.


 إننا اليوم بقيادة الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – نسعى لتوفير كافة الظروف والإمكانات التي تمهّد الطريق أمام جيل صاعد يكون جزءًا من الحل لا المشكلة. ويوظّف قدراته وطاقاته لتحقيق حياة كريمة ذات جودة له، فهو جيلٌ واثقٌ قادر- بعد تمكينه- على تكوين قنوات تواصل فعّالة بينه وبين الآخرين تدعم علاقاته الاجتماعية، وتعزز قدراته في التعبير عن نفسه وتطلعاته، وتحديد خياراته وتمرير مرئياته واقتناص فرصه.


ولا أجدُ ذلك إلا مصداقًا لما ترمي إليه رؤيتنا الطموحة 2030 في جعلنا مجتمعًا حيويًا جذوره راسخة وبيئته عامرة وبنيانه متين. مجتمعًا يراهن رهانًًا رابحًا على الإنسان أولًا ودائمًا.

 

 


الاثنين، 26 أبريل 2021

سنة ثانية ماجستير .. في الرياض

 



عتبة الدخول/

إن المخاوف في رأسي أكبر مما تبدو عليه في الواقع.



 

أخيرًا..أخيرًا، انتهت هذه السنة الدراسية الطويلة، طويلة جدًا بأحداثها وأعبائها.

الفصل الأول منها تجاذبتني فيه هموم الدراسة والمعدّل والتكاليف البحثية التي كانت أشق وأكثر عددًا من السنة الماضية، لكني حين أنظر إليه الآن  على بعد مسافة خمسة أشهر تقريبًا ومعدّل أرتضيه ولله الحمد، أجد أني صقلت مهاراتي البحثية فيه أكثر من السنة المنهجية الأولى، وأني وللأمانة الأخلاقية قبل العلمية "استمتعت" في كثير من مقرراته ونقاشاته، لولا كورونا-أباده الله وخلّصنا منه-الذي باعد بيني وبين زميلاتي وأساتذتي وفسحة التجارب والمغامرات الجامعية التي تبدّت في خيالاتي منذ صدر قبولي للدراسة في جامعة الملك سعود! طمعًا في تأثيث ذاكرتي بالغرائب والعجائب في الجامعة الجديدة! لكني الآن لا أحفظ منها غير فصل ونصف وملامح شاشة حاسوب أرّقتني وأرهقتني لساعات طويلة.

 





أما الفصل الثاني الذي تآكّلني فيه القلق من فشلي في كتابة خطتي البحثية أنا التي ما كتبتُ رسالة علمية قبل هذا الوقت قط أو الإنجاز الركيك غير المتقن، وحالة الضياع الأولى التي أعياني فيها البحث عن طرف الخيط الذي ما إن أمسكت به، انفرط -بفضل الله- على امتداد أسبوعين من البحث والاطلاع والكتابة والجهد المكثف في كلِّ ذلك، حتى انتهيت من خطتي البحثية فيما يقارب 30 صفحة ورقية.

حدث ذلك في الشهر الأول (6) من بداية الدراسة ثمّ طالت الإجراءات ولم يصدر الاعتماد النهائي لها من عمادة الدراسات العليا إلا في هذا اليوم المبارك الذي دفعني ببركته لكتابة هذه التدوينة. مرّ حدً الانتظار على صبري القليل مجرّحًا إياه حتى نفد، فصبرت بعدها من قلة الحيلة. والحمدلله أنها اعتمدت.

هذه قصة المتن، أمّا قصة الهامش (حياتي في الرياض)، فإني حين أتأملها الآن

أنظر إليها نظرة عُجبٍ وتعجب!

لأني في مثل هذا الوقت من السنة الماضية حين كتبت تدوينة(سنة أولى ماجستير .. في الرياض)

كان أول ما فعلته عند وصولي إلى منزلنا في مكة إلقائي بحقيبة السفر في أبعد نقطة في المنزل لا تصلها عيناي أو قدماي فوجودها يهدد أماني وراحة بالي.

اليوم حقيبة السفر في خزانة غرفتي، لا يبعدني عنها إلا المسافة الفاصلة بين فتح الباب وإغلاقه، هي نفسها المسافة بيني وبيني! بين نسختي القديمة التي ذهبت للرياض متعثرة بكل ما تركته خلفها من أهل وأصحاب وأماكن تعرفها وتألفها، ونسختي الجديدة التي بدأت بتأثيث حياة مستقرة في الرياض التي حفظت طرقها إلى حدٍ ما (فهي مجموعة مدن في مدينة) وصارت لي فيها أماكني المفضلة وقت راحتي أو انزعاجي أو رغبتي في تشتيت ذهني أو حتى الترويح عن نفسي. والأهم المكتبات التي أفضّل ارتيادها دون غيرها.






وهذا اعتراف صريح ومباشر أمام الأصدقاء الذين سيقرؤون هذه التدوينة أصحح فيه انطباعهم عن مشاعري تجاه الرياض التي كرهتها ابتداء، اليوم أنا أحب الرياض لأنها منحتني فرصة للتمدد والنمو ومواجهة الكثير من مخاوفي، ولأنها غدت مرآة أتلمّس فيها حقيقتي حين تجرّدت من محيطي والتصوّرات التي حفظتها عن نفسي بأعين الناس. في الرياض كنتُ عارية تمامًا من كل ذلك. في الرياض واجهتُ نفسي وقدّرتها.

ربما لو كانت مدينة أخرى غير الرياض، لوصلت إلى نفس النتيجة لأن العبرة في تجربة الابتعاد والاغتراب وكل ما تُسفر عنها كالتجرّد من حماية العائلة وسقف المنزل وحميمية وجود الأصدقاء.

في الانتقالات السكنية العديدة التي فرضتها عليّ الظروف، وفي قوائم المشتريات المنزلية التي بتُّ أعدها بذكاء، والميزانية الشهرية لمشاويري مع أوبر التي تصدرت قائمة مصروفاتي، فمتوسط المشاوير المعقولة في الرياض تأخذ من 20 دقيقة إلى نصف ساعة تقدّر بـ 80 ريال للمشوار الواحد للذهاب والعودة. والعزم معقود بالتأكيد لإصدار رخصتي في القيادة.

 ومع ذلك فإن الرياض تحديدًا تشبهني في مزاجي العمليّ المهووس بالإنجاز وعلامات الانتهاء من المهام، وزحمة أفكاري وتأمّلاتي الدائمة، في تقلّبي المستمر بين ذواتي التي يناقض بعضها بعضًا أحيانًا، كقيظ نهار الرياض المزعج الذي ينقلب في نهاية اليوم إلى جوٍ عليل وبرودة لطيفة، لنصبح على يوم آخر ضبابه من غبار وإلى غبار يتوسطه هطول مطر عذب، للرياض أيضًا وجهٌ قسماته هادئة وساكنة أحيانًا يشبه مزاجي الرائق وهو يدفعني إلى الخروج والمشي في طريق طويل لا نهاية له، أقلّب فيه طرفي وفكري، الوصول آخر رغباتي. مفتونُة أنا في المشي والتفكير.

 



عتبة الخروج/

أمتنَّ لوالدي كثيرًا لأنه يدفعني لمواجهة الحياة واستثمار فرصها متذرعة بشجاعة أستمدها منه.

الاثنين، 11 يناير 2021

على قارعات طرق العمر




"تتراكمُ الأعوامُ فوق رؤوسنا

حتى تئنُّ من الرُّكام رِقاب"

 

تبدّى لي وجه امرأة متعبة تجلس على قارعة الطريق، تحملُ عمرًا كاملًا فوق رأسها، عمرًا مضى عليها وهي تقرضُ أصابع القلق وتوصد أبواب الخيباتِ بابًا تلوَ آخر. ربما كلُّ النساء يفعلن ذلك أينما كنّ. روضة، شاهدة عيان وصاحبة تجربة "وجعي .. على وجعِ النساء"

من أين جاءت تلك المرأة؟ لا أدري.

وما الفرق بين جيئتها من مشارق الأرض أو مغاربها. اختلاف الجغرافيا هو اختلاف لملامح المواجع والمآتم، لا انعتاق منها.

 

هكذا قرأت هذا البيت، هكذا بالعموم أقرأ الشعر وأنا أشير إلى الحياة وأحدد مواضع ما عاينته منها بالتجربة أو بالقراءة أو بالشعر، تعلّمت أن أفهم وأن أشعر وأن أتحسس اللغة في كل ذلك.

 

نعم تتراكمُ الأعوامُ فوق رؤوسنا، وهذا أصعب ما في الأمر. أن يبدأ الألم من الرأس مرورًا بالرقبة ثمّ إلى سائر الجسم وبقية الأعضاء. يتداعى الجسد لمواجعه، فهل يكون ذلك لأجلِ الآخرين أيضًا!

حين أتأمل قليلًا أجدُ أن العمر الذي أحمله فوق رأسي، ليس ماضٍ بل قادم. أنا لا أحمل العمرَ تحديدًا وإنما أحمل مخاوفه، هواجسه، وقلقه. أحمل محاولات الرتقِ فيما سيحدث لا ما حدث.

 

جاسم الصحيّح في قصيدته التي أسميتها "نبوءة عمرٍ كامل" ويسميها "خيمة من الهواجيس على رابية الأربعين" يقول:

العُمْرُ كلُّ العُمْرِ موسمُ هجرةٍ ..
وأنا برغم(الأربعينَ) من التَّشَرُّدِ
ما اتَّفقتُ مع الطريقْ !
كلّما قرأتها أصابني شيءٌ من الذعر، كيف يكون المرء مهاجرًا طوال عمره، يتنقل بين المنافي دون أن يركن أو يستكين، تلفظه بعض البلادِ داخل نفسه وبلادٌ أخرى خارجها، لكنه أبدًا لا يتفق معها، لا يتفق مع الطريق، لأن كل العمر موسم هجرة!
أمعن النظر في النافذة أمامي، نافذة مقهىً لا يشبه المدينة هذه، لا يشبه الناس فيها، لكنه يشبهني ويشبه هذه الجلسة المنكفئة على جهاز الحاسوب. أنا والمقهى نتوءان في وجهِ المكان. وهذا مما يزيد ذعري.

"خمسٌ وستُونَ.. في أجفان إعصار
أما سئمتَ ارتحالاً أيّها الساري؟
أما مللتَ من الأسفارِ.. ما هدأت
إلا وألقتك في وعثاءِ أسفار؟"


بم يشعر أولئك الذين يقفون على أطلال حدائق الغروب في أعمارهم؟

ممَّ يسأم المسافر إن كانت خيارات العمر بين حدِّي الارتحال والإقامة؟

 

فإن كان ارتحالًا، فالوعثاء حاضرة بقدر حضور التجارب، وفرص النمو، والتغيير وتحطيم القيود والقوالب التي نختارها أو تختارنا، لكننا على الحالين حين نقرر الارتحال، نبحث وكلُّ بحثِ آيلٌ إلى معرفة.

وإن كانَت إقامة، فإن تعب البقاء أشقى وأعتى، لأنَ الوقت يمضي على كلَّ حال ومعه الأشياء والأشخاص والحياة. فماذا يبقى لنا ومعنا إذا أقمنا؟!

أشرد بعضًا من الوقت، فألتقط الفكرة، ربما هو خوفٌ لا سأم، خوفٌ من الوقوف على "طلل حديقة غروب العمر" في مواجهة النفس وحساب خساراتها ومكاسبها، ماذا لو كانت الخسارة فادحة؟ ماذا لو كانت المكاسب وهمًا؟ ماذا لو كانت المحصلة القليلُ من العمر الذي يستحق أن يشار إليه ويُحتفى به؟

عني، أخافُ الجلوس مكان المرأة التي صوّرتها ابتداءً فأرثي:

" فلاحُ هذي الأرض عمري حنطتي .. وبذرتُ أكثرهُ حصدتُ أقلّه"

 

والقليلُ من العمر مخزٍ..ضيّق وصفيق. قد يتسرّب منه كل ما أحب وكل من أحب.

 كلَّ ما انكببتُ ألملمه من على قارعات العمر والحياة، وأعدُّه، عدة وعتادًا.

فالقليل من العمر ليس مثل البسيط منه. البسيط من العمر مباركٌ وطيبٌ.

 

"البسيط من العمر أن تنتقي وقت نومك

أن تنتقي بدء يومك

أن تنتقي لغة للتأمل والأمنيات

وأن تترك الكون والكائنات

وأن تصطفي غفوة للقدر

البسيط من العمر

أن تجعل العمر شلال ماء يدندن لا يأبه المنحدر"

 

ثمّ أعتقد أننا وصلنا إلى مرحلة حريٌ بنا فيها أن ندخر للعمر، الأجود من الأفكار والتجارب والعلاقات، فهذا ما سنعوّل عليه مستقبلًا، إذا ما توقفنا عن السعي أو تباطأت خطواتنا، في عمرٍ متقدم لا يسعنا معه البحث أو الانتقاء وإنما الاتكاء بطمأنينة. هذا مفهوم يوميٌ بسيط لجودة الحياة.

أتذكر هذا الجزء الذي ختمتُ به حواري مع صديقتي قبل أسابيع قريبة، صادف بعدها أني استمعت إلى إحدى الحلقات الصوتية "لبودكاست أبجورة" وهي تصف المراحل التي يمرّ الإنسان بها في تعامله مع عمره:

"...حين عرفت حدود قدراتك وأدركت أن وقتك قصير وناضب، مهما خُيَّل لك عكس ذلك، ستبتدأ تدريجيًا بالدخول في المرحلة الثالثة، وهي مرحلة تأسيسية كبيرة في حياة الناس، ستتخلى عن الأصدقاء الذين يستنزفونك، ستقلص النشاطات التي تهدر وقتك، ستعيد النظر في بعض أفكارك وأمنياتك، وفي المقابل ستضاعف جهدك فيما أنت جيّد فيه، وما هو أفضل لك"

 تنتهي الحلقة بابتسامة ساخرة مني: ياه! متى قطعتِ هذه الأشواط من العمر يا أصالة؟! أقلّب الطرف والفكر فأجدُني جادة أكثر مما ينبغي لشابة في منتصف العشرين من عمرها.

 

يا سيدتي .. يا سيّدي: في عموم الأمر (يكفينا من هذا العمر شرف السعي فيه لحياة واحدة تشبهنا على أقلِّ تقدير).

 


الأحد، 30 أغسطس 2020

التدوينة الأخيرة في أقرأ 2020


 

لا شيء بعد أقرأ يعود كما كان.

 في البداية يعاني الواحدُ منَّا أعراضًا انسحابية، تثقل عليه حمولة الدقائق والساعات، تشتدُّ وطأتها على ظهره وفي صدره، ثمُّ يعود إلى أهله وبيته وهو يشعر بالفراغ، لا يعرفُ من أين يجيء الهواء؟ لكنّه يمرٌّ ياردًا في داخله و وقته وأمكنته.

 يستوحش الأمكنة ابتداءً، لأنها خالية من آل أقرأ (الرّفاق والروّاد والمصورين والمشرفين...)، ما زاروا بيته يومًا لكنّه من فرط ما تعلّق بهم على مدارِ أسبوعين أو يزيد، لأكثر من 12 ساعةً يوميّة، اعتاد فيها حضورهم، أصواتهم، روائحهم و وجوههم ظنّ أنه يعرفهم قبل ذلك وسيعرفهم دائمًا.

ثمَّ يستوحش الوقت بعدهم لأنه معهم كان ممتلأ جدًا باللقاءاتِ والنقاشات والمحاضرات والأمسيات العذبة وبنفسِ القدر بالمهام والمسؤوليات التي لابدّ أن يُنجزها حتى أنّ كل ذلك يزاحم وقت نومه وراحته، ولكنه كان فرحًا، مسرورًا، لأنه يعرف أنّ هذا الوقت الطويل، المرهق أحيانًا، مؤقتٌ وعابر.

سامي يقول: ملتقى أقرأ جنة القراء، ثمّ يباغتني بسؤالٍ مُنتصر، صفي التجربة بكلمة واحدة يا أصالة؟

إن كنتَ يا سامي استأثرتَ بوصف الجنة للقراء، وتركتني في لجة بحر اللغة أتخبط باحثة عن كلمة واحدة فما عساها تكون؟

2020 .. هذه المرة جئتُ إلى أقرأ رائدةً لا قارئة، وهذا يعني أن أنظر إلى التجربة من منطقة مرتفعة أكثر، متخففة من المخاوف والارتباكات، والأجمل أن أساهم في تعمير هذه الجنّة للقراء وهذا ما حاولتُ فعلهُ على امتداد ثلاثة أسابيع، بدأت بأسبوع لقراء المرحلتين (الإبتدائية والمتوسطة) ثمّ قراء المرحلتين(الثانوية والجامعية).

فعلتُ كما أفعل دائمًا أمام مرايا التجاربِ، أبحثُ فيها عمّا لا أعرفه عن نفسي أو ما عرفته بشكلٍ خاطئ، أو ما ظننتُ واهمة أني أعرفه كاملًا، فكاشفتني التجربة.

وكالعادة أيضًا وجدتُ الكثير من كلّ ذلك. وأمتنُّ عليه.

أمتنُ للقارئات اللاتي أشرفتُ عليهنَّ (خديجة، مارية، آية، فاطمة، ريما، إيمان، جنان، رويدا، زينب، سيرين، شهد).

وأمتنّ لكل القراء الذين قابلتهم وعرفتهم,

أمتنٌ للرفاق الذين شاركتهم تجربة الإشراف والرّيادة الأساتذة الكرام:

أ/سامي البطاطي.

د/هند الحازمي.

أ/جمانة السيّهاتي.

أ/فواز العبّاد.

د/فيصل الشهراني,

أ/إبراهيم آل سنان.

أ.رشاد حسن.

أ/أروى الفهد.

أ/ ربا عبدالله.

أ/شيماء الكثيري,

ثمُّ أجيء أنا، أصغرهمُ سنًا وأقلهم نضجًا، وأغضهم خبرة، وهذا والله مما كنتُ حظية به، لأنهم زادوا لي في رصيد العمر والنضج والخبرة ما يمنح للقادم من أيامي ثراءً وجمالًا وعمقًا،  وأحملهُ وسامًا على صدري أردٌ فيه المعروف والشكر لأهله على الدوام. فتقديرًا و ودًا وفيرًا لهم.

خلود والوليد وأشخاصٌ كثيرون في أقرأ، لم أتحدث عنهم بعد ولعل المقام لا يسعني هنا ولا يسع حمولة المشاعر التي أكنها لهم، لكنهم يعرفون جيّدًا أنهم ما مروا عابرين وإنما مرّوا عليّ كرامًا، بررة.

انتهى الأمسُ(اليوم الأخير في ملتقى أقرأ)  باحتفالٍ بسيطٍ يجمعنا نحن آل أقرأ، حين جاء دوري في استلام الدّرع، قال الأستاذ طارق الخواجي مازحًا: الآن جاء دور المُلامة على حدوث الأمور التي لا تسير على ما يُرام.

فأجاب الجميع بصوت واحد: أصالة.

ثمّ ضحكنا، لأن هذا التعليق جاء عطفًا على موقفٍ سابق لطيف في مقام المُزاح أيضًا.

وعندما ذهبت لاستلام الدرع والتقاط الصورة معه، قلتُ بصوت متذمرٍ متندر: أهذه السمعة الطيبة التي تركتها عندكم؟!

فأجاب الأستاذ طارق بنبلٍ اعتدته منه: أنتِ نورٌ على نور يا أصالة.

ومنذ الأمس إلى اليوم وأنا أبتسم مبتهجة كلما ذكرتُ هذا الموقف، لأنه غالٍ عليّ جدًا.

ثم أسأل الله أن يجعلني أهلًا لهذا الظنِّ الطيب، وأن أكون قد أديت مسؤوليات تواجدي هنا على أكمل وجه.

أخيرًا أريدُ أن أقول شيئًا عن المنطقة الشرقية وأهلها:

هنا عندما تبدأ مُحادثتك/ لقاءك مع أحدهم رجلًا كان أو امرأة، لا تنتهي منها إلا بحيرة عذبة وسؤالٍ باسم،  هل السعة في قلبكِ أم على الأرض أو في وجوه الناس؟

يُلمّح الشاعر السعودي عبداللطيف بن يوسف للأمر قائًلا:

" البحر ..

يسكنهُ الذين تعوّدوا عيشًا على أفقٍ تؤطّرهُ السَّعة."

ثمٌّ لا يسعك بعدها إلا أن تفهم هذه العلاقة الفاتنة بين البحر وأهل الشرقية، يمدُّ كل منهما الآخر بشيء مما فيه، تقف على أعتاب الأول مأخوذًا بما تراه وما لاتراه ولكن تُحِسه وتقف قبالة الآخر مٌندهشًا من رحابته وإقباله عليك وكرمه.

نعم هذه تجربة أطرافها مُتراميّة، من أيِّ طرفٍ أمسكتُ به فيها، قلت: يا الله .. ما أسعدني وما أكرمك.

 


الثلاثاء، 11 أغسطس 2020

يوميات رائدة في أقرأ (3)


 


جاءنا اليوم الأستاذ رشاد حسن ليسأل سؤالًا واحدًا فقط ( لماذا نقرأ الأدب ؟)

سؤالٌ جميل لا أتعب من ترديده على نفسي، في كل مرحلة من مراحل تجربتي القرائية، وفي كل لقاء يضعني في مكاشفة فجة مع تجربة الإنسان، الإنسان الذي يعتريه الاعتوار، أو الذي يتعثّر بنفسه وغيره.

كعزيز في تلك العتمة الباهرة، كوالديّ مشاري في خرائط التيه، وكعازل في أن ترحل، ومريد البرغوثي في رأيت رام الله، وحسن في عداء الطائرة الورقية .

لذا أفهم المشاركة ليان حين ردت السؤال بآخر: لماذا لا نقرأ الأدب؟

سؤالٌ ذكي يا ليان، سؤالٌ يشبه نزعك أوراق الزهرة بحثًا عن ميسمها، يشبه حفرك تحت شجرة بحثًا عن جذورها، يشبه ارتدادك إلى الداخل بحثًا عن الحكاية.

حتمًا ستجد الميسم والجذر والحكاية.

نحن لا نكون دون قراءة الأدب، الأدب هو الحكاية.

في الرواية، في الشعر، هو مادة أولية لكل النصوص، وكل التجارب. لا شيء ممكن دون الحكاية، لا شيء يحدث خارج سياق الحكاية. إذن لا شيء بدهيٌ أكثر من قراءة الأدب.

نفهمُ الأمر بوضوحٍ أكثر حين نكون حاضرين في مجلس المشاركة فاطمة وهي تقدّم مراجعتها عن كتاب (اليأس مقبرة الإنسان) فتتوالى الأسئلة بعدها: هل تكفي القراءة لتغييرنا؟ هل يكفي وجود المعلومة لفعل ذلك؟ هل للخطب والمواعظ ذلك الوقع؟ أم أنها الحكمة؟ على أيَّ الحبال تعوّل في نجاتك من مقبرة المحن؟

 

يا نائيًا عني بمترٍ واحد

الآن وسّعت المسافة بيننا


استشهد الشاعر عبدالرحمن العريج في محاضرته عن الشعر بهذا البيت، الذي أعرفه ويعرفني من فرط ترديدي له. لكنّها المرة الأولى التي أعرف مناسبته فيها.

 إنه بيتٌ في رثاء والد أحمد بخيت الشاعر الذي أحب شعره جدًا.

أرجع إلى القصيدة، أتلمّس أبياتها كما هي عادتي في قراءة القصائد التي أحب، أتذوق كلماتها فأجدُ أنّ مرارتها الآن غدت لاذعة. أتحسس رؤوس الوجع فيها. تبدو مُدببة أكثر.

نعم. هذا ما يحدث عند قراءة الشعر.

يُمكن أن تقرأ القصيدة كاملة أو تستلّ أبياتًا تخرجها من سياقاتها وتستشهد بها حيثما شئت، دون أن تعرف مناسبتها أو تكلف نفسك عبء البحث عن ذلك. جزءٌ من الذائقة يستلذُّ بالتأويل.

لكن يحدثُ شيءٌ مختلف عندما تعرف المناسبة، يتعمّق حضور القصيدة في وجدانك، تجد مستقرها ومقامها في صفحات تجاربك وأيامك، بيتٌ على بيت فتتكون الحكاية.

زَرنوق

سَنورة

كحِين

مِسحَاة

ادّيني

في نهاية اليوم وجدتُني وسط حلقة جميلة مع بناتي والرائدة جُمانة، كلمة من القطيف، ثانية من سيهات وأخرى من الجنوب، والقول الفصل بالتأكيد من مكة=")

كان مجلسًا متأنقًا بضحكاتنا واستمتاعنا بالاختلافات التي وجدناها بين اللهجات، الكلمات والمدلولات.

أستذكر حلقة بودكاست فنجان للدكتور بندر الغميّز الذي أقرّ فيها بكون اللهجات جزءًا من العربية نفسها يُعتدُّ به ويُعوّل عليه.

ياه .. تشتدُّ متانة عصا اللغة التي أتوكأ عليها.

أشعرُ بالرِّضا.


الاثنين، 10 أغسطس 2020

يوميات رائدة في أقرأ (2)

 





 " سؤال الطفل ذاك الذي يخرج بصيغته الخام، ربما يساعدك في أن تستعير منه الشغف ومهارة حيازة السؤال ويجعلك أكثر سعة لتقبل أفكار لذيذة وغريبة كغرابة خياله. قد يجعلك سؤاله تبتسم، لكنه سيكون في ذاته سُلَّمًا للوصول لمعنى ما، دون الالتفات حتى لسطوة علامة الاستفهام"

داليا التونسي


ملتقى أقرأ الإثرائي، مٌحترف لصناعةِ الأسئلة، هنا يتعلّم المشاركون والمشاركات فنّ صناعة السؤال وخلق علامة الاستفهام، يتجاسرون على تجاوز قداسة المألوف والبدهي، فيسألون!

يلتفتون إلى الفارق بين ماهية الأشياء والأفكار وأغلفة الفهم المزعومة التي يدَّعيها كلَ منَا، فتتفتت معهم الحقائق أو ما يظنون أنه الحقيقة ويعودون إلى المادّة الأولية منها، نعم الأسئلة تقلب أفكارهم على أعقابها، لكنهم هنا مفتنون جدًا بهذا الانقلاب ويسعون إليه.

خديجة  تقول بعينين متوقدتين: أبحث عن الدهشة.

مارية تُردف بحماسة وتَطلّع: أريد أن أترقّى في مدارج الإلهام.

ريما تؤمن بالعلاقة بين التاريخ والحاضر، كلّما تحدّثت يتجلّى توقها لإيجاد ذاك الخيط الرفيع الذي يربط بينهما، تؤمن بالقيمة خلف الوصول.

آية لا تكلُّ ولا تملُّ باحثة عن جزيرة الكنز خاصتها. حين تصفها تبدو أكثر إثارة من جزيرة سيلفر. تقول: أنها تبحث عن الكنز، فأسألُ أنا.

 إنها عدوى السؤال. بناتي دون أن يدركنَّ يجذبنني بجمال إلى عوالمهن، يشركنني في حكاياهن، فتكبر أسئلتي وأكبرُ أنا، وأراهن على الطفل الذي يكبر في داخلي أيضًا، يكبر ليخلد، لا ليشيخ. يشتعل العمر غضاضة.

يسأل الأستاذ علي البركاتي في نهاية محاضرته المتعلقة بأوهام القراءة، ما الذي يحدث كلما كبرنا لتتناقص سبل الدهشة أمامنا ومعنا؟َ!

فتتبدَّى لي الإجابة في جلسة الحوار السابقة التي أدارتها المشاركة خديجة عن كتاب (أنا ملالا) حين وجهت سؤالًا إلى زملائها مفادهُ " إلى أي مدى يُمكن أن تتحول الأفكار المفروضة قسرًا من سلطة ما مع مرور الوقت إلى جزء من هويتنا وتشكيلنا الذاتي؟"

ليست فقط الأفكار المفروضة بل الموروثة والمعلّبة التي لا يتوانى الكثير ممن حولنا عن تقديمها لنا، هذا ما يحدث يا أستاذ علي.

نقع في فخاخ الوصفات الجاهزة للحياة. معها لا جدوى من السؤال ولا قيمة للدهشة.

ثمّ انتقلنا مع الأستاذ بندر سليمان إلى مساحة مختلفة وممتعة في التدوين البصري، أخرج المشاركون والمشاركات فيها مواهبهم في الرسم ودارت بينهم حوارات رائعة عن علاقة التدوين البصري بالتفكير ومناط حاجتهم له كقرّاء.

أيضًا لم تكن جلسة النقاش التي قدّمتها المشاركة ليان أقلًّ متعة، تثير إعجابي ليان حين تتحدث، مهاراتها اللغوية عالية وحضورها لافت، قدّمت مراجعة جميلة عن كتاب الحقيقة والكتابة لبثينة العيسى، واستطاعت إثارة نقاشات ثرية بين زملائها وزميلاتها المشاركات.

تقول المشاركة بتول: لا أشعر بالتنافسية في أجواء الملتقى، إنّ ما يغلب عليها تطلع المرء إلى خلق علاقات وصداقات تثري رصيد تجربته، تعمّق استفادته، ويختبر معها كلَّ أفكاره التي يعتقد بصحتها وصوابيتها.

وأعتقد أنّ هذا جزء جوهري جميل في مسابقة أقرأ، غياب النزعة التنافسية الشائهة، في كل التفاتة مفاجئة وسريعة مني إلى المشاركين والمشاركات ألتمس ذلك وأراه صريحًا حتى أنّهم لا يترددون في مساعدة بعضهم البعض ومشاركة الأفكار فيما بينهم. بمرور اليوم الثاني فقط هناك تبدّى الدفء والتقارب فيما بينهم وهذه إحدى بركات أقرأ. وما أكثر بركاتها.

ومما يميز هذا الموسم أيضًا فصل الملتقى الإثرائي الخاص بالمرحلة الإبتدائية والمتوسطة عن الملتقى الخاص بالمرحلة الثانوية والجامعية، نجاح هذه الخطوة بدا منذ اليوم الأول.

أشعر بالتعبِ اللذيذ.

 

 

 

الأحد، 9 أغسطس 2020

يوميات رائدة في أقرأ (1) 2020

 

خديجة: معلمة هل تعرفين جلسة سقراط؟

أصالة: لا. ما هي جلسة سقراط؟ أخبرينا عنها.

خديجة: جلسة نطرح فيها الأسئلة المفتوحة والممكنة، سؤالٌ ينبثق عنه سؤال آخر، في دورات كاملة بيننا نولّد الأسئلة، لنخلق إجاباتها.

أصالة: جميل، جميل. إذن ماذا لو غابت الشمس؟

خديجة: إنه سؤال غير فلسفي، وأعتقد أن له إجابة علمية.

أصالة: لكني لا أنظر إلى السؤال من هذه الزاوية، ما أقصده كيف ستبدو الحياة بالنسبة لخديجة أو أصالة لو غابت الشمس ...


ثمّ تدفّق عليَّ وابل الإجابات والأسئلة من المشاركاتِ اللواتي أشرفت عليهنّ، أو كما أحب تسميتهنّ، بناتي.

خديجة في نهاية المرحلة المتوسطة.

بعد انتهاء جلستي الأولى معهنّ، أدركتُ حجم الهوّة الصارخة بين ما حدث وبين تغريدة كتبتها على صفحتي في تويتر قبل أربعة أيام( أكثر ما يزعجني في انكفاء الأطفال والناشئة على الأجهزة الالكترونية، فوات خيارات وفرص حياتية عليهم. كم تجربة جديدة ما عاشوها؟ كم علاقة أو تفاعل اجتماعي يثريهم ما انتبهوا له؟ كم متعة أخرى محتملة( مع غير الأجهزة ) فوتوها؟ هذا العمر الواحد يقصر كلما ضاقت مساحات المعرفة والتجربة والاكتشاف).

يقول باسل وأظنه في نهاية المرحلة الإبتدائية أو بداية المرحلة المتوسطة عبارة مفادها (أنه هنا لتكوين الصداقات التي يمكن أن تثريه وتفيده في تجربته القرائية أو في رحلة العمر)

فأجدُ أني موعودة بأيامٍ بالغة الكرم في عطاءاتها، لذيذة بمكتسباتها مع ناشئة يعرفون جيّدًا كيف يكبرون بالتجربة قبل العمر، ويتمددون إلى حدِّ الآفاق التي تؤطرها السعة.

 

 فلّاح هذي الأرض عمري حنطتي .. وبذرت أكثره حصدتٌ أقلّه.

أحمد بخيت

أما أنا فأقف أمام فلّاحين يبذرون الأقلّ من العمر ليحصدوا الأكثر من القيمة والمعنًى.

آية أيضًا جاءت إلى الملتقى الإثرائي بحثًا عن المعنى. آية في المرحلة المتوسطة.

حسنًا. هل المعاني لا تكتملً بقدر مالا تكتمل الحكايات؟

هذا سؤال تبادر إلى ذهني أثناء المحاضرة الجميلة التي قدّمتها لنا المبدعة في أدب الأطفال:   أ. أروى الخميّس، عندما جاءت مجندة حججها وحكاياتها في محاضرة(حكايات لم تكتمل) ومراهنة على المساحات البيضاء في نصوص الكتّاب تلك التي يتركون من خلالها شقوقًا تسمح بنفاذ تأويل القراء في تواطئ ضمني على المشاركة في حكي الحكاية، فدائمًا لدى القارئ ما يقوله بقدر الكاتب على الأقل أو ربما على الأكثر.

ماذا عن مسلّمات القصص التي توارثها الجدات والأجداد وبثها الأدب في وجدان المجتمعات جيلًا بعد جيل، ماذا لو كان مالا نعرفه عن قصة سندريلا وطرزان أكثر متعة وإثارة مما عرفناه؟ ماذا لو بدأت القصة بعد نقطة النهاية؟ نعم تلك الحكايا ناقصة وأكمل المشاركون والمشاركات ما استطاعوه منها، في جلسة ولّادة للأسئلة ومالئة للفراغات

أشارك في هذا الموسم كرائدة إلى جانب رائدتين أخريتين. هند من جدة عضو هيئة التدريس في قسم اللغة العربية، وجمانة الكاتبة والمهتمة بأدب الطفل من سيهات وفوّاز معلم اللغة العربية، ومن هنا تبدأ حكايتي التي أعيشها لأرويها، ربما تختلف عن حكايا المشاركين والمشاركات، لكني أؤمن أنها ليست أقل حظًا من الدهشة والجمال أو ثراء من المعرفة والتعلّم.

هذا دون حساب الجلسات العفوية والطارئة التي تجمعنا بالأستاذ طارق الخواجي أمين مكتبة إثراء والمشرف على مسابقة أقرأ، هذا الرجل المبارك الذي ما إن يبدأ لقاؤك به حتى تستهلّ الأحاديث وتترامى أطراف الأسئلة ويتمدد بساط المعرفة من تحتك، وفي نهاية كل جلسة أو لقاء تتسآل ما الذي لا يعرفه هذا الرجل؟! بارك الله له وفيه وعليه.

يقول أستاذ طارق:أقرأ بحاجة العودة إلى القرّاء.

وقصد في حديثه إلى أنّ هذه المسابقة تكبر بمشاركيها وترفع سقف معاييرها موسمًا تلوّ آخر، ودائمًا لدى القرّاء والقارئات ما يقدمونه ويضيفونه.

أنظر إليه بامتنان وأنا أستحضر من ذاكرتي مواقفًا من الخيبة عشتها في المرحلة الثانوية بين عامي 2012 -2013، حين كانت مسابقات الموهبة و أولومبياد الإبداع تقتصر على النماذج الفذة والنابغة من الطلبة في مجالات العلوم والهندسة، فكانت المدرسة تشجعهم وتدعمهم وتفاخر بهم، وكنتُ أشعر بقلة حظي حينها لأني لا أمتلك شيئًا أقدمه أو ميزة أمتلكها أو موهبة أتفوق بها مثل زميلاتي اللواتي يشاركن في مثل هذه المسابقات. وكنت أعتقد حينها أنّ اهتماماتي الأدبية هي فضلة حظي العاثر عليّ.

لكننا اليوم نقف على أعتاب مرحلة مختلفة تمامًا في جوهرها وفرصها، يُقدَّرُ فيها أصحاب المواهب الأدبية كما يقدّّرُ أندادهم من أصحاب المواهب العلمية، وهذا يعني استثمار حقيقي وفاعل ومثمر في الناشئة والشباب بمختلف أطيافهم واهتمامتهم. ومن مثل مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي الذي أنحاز له بالعاطفة وأدين له بالامتنان.

أخيرًا هنا أنا مُكلّفة بمجموعة من المهام التي تصب في صالح تعزيز المهارات النقدية والمهارات اللغوية المرتبطة بالكتابة والإلقاء للمشاركات اللواتي أشرف عليهنّ لكني لا أعوّل على هذا الدور بقدر ما أعوّل على دوري في تقليص مساحات القلق والخوف التي تحجّم مساحات النمو والاستمتاع بالتجربة لديهن، فبقدر ما يتجاسرن على المشاركة والتعبير عن ذواتهنّ و وجهات نظرهنّ، سيبدأن باختبار أفكارهنّ و وضع المسلّمات أو الصواب الذي يعتقدنه على طاولة التفكيك والتشريح لإعادة بنائه وتشكيله لا كيفما توارثنه ولُقنّه ولكن كيفما يؤمنّ به وينبعث من ذواتهنّ.

أليس مدهشًا وجميلًا أن أكون جزءًا من صناعة تجربة نوعيّة تساهم في بناء الإنسان على هذه الشاكلة. بلى.

أنا سعيدة.