أتأسّى باللغةِ حينَ أقرَأ الأدبَ وأصغِي للقَصِيدة.

الاثنين، 14 أغسطس 2017

ملتقى أقرأ :أشخاصه وأشياؤه








" ما من جواب تستطيع أصابعنا الخمسة التقاطه " كانت هذه العبارة جزءًا من مقدمة الأستاذ طارق الخواجي التي ألقاها علينا كتحية ترحيبية في اليوم الأول من وجودنا في ملتقى أقرأ الإثرائي 2017.

وكأنه يعطينا سر المعرفة ومفتاح الوصول، وهو ببساطة أنّ لا شيء ثابت وموثوق ، كل شيء يمكن تهديد ثباته بالأسئلة ، كل شيء يمكن تأويله بالأسئلة ، كل شيء قابل لأن يكون كما أرى ، كما يرى ، كما ترى ، وبقدر ما نعرف !

وكأنّ العبارة التي قرأتها ليلة سفري قدرًا، كانت الشيفرة التي حملتها معي لفهم العالم حولي هنا ، حيث يقول فيها كارل ياسبريس " إنّ الأهم في المعرفة هو السؤال ، ويجب أن يتحوّل كل جواب إلى سؤال من جديد " فجعلتها تهويدتي كل ليلة.
نحن هنا في الدمام لخوض تجربة الملتقى الإثرائي وهو المرحلة الثالثة من مسابقة أقرأ في موسمها الخامس والتي تعد مبادرة لأرامكو السعودية – مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي ، تأهلنا كخمس وعشرون قارئة وثلاثة عشر قارئًا من مختلف المستويات الدراسية منذ المرحلة الابتدائية وحتى الجامعية.

نتواجد في الفندق الذي تمّ إعداد كافة التجهيزات اللازمة فيه لسكننا وراحتنا وعيش تجربة الملتقى ، حيث توجد القاعات في جهات مقفلة وخاصة من الدور الأرضي للفندق.
أحببتُ الاحتفاء الواضح بنا من الجميع هنا ، الكلَّ يمنحك ابتسامات الترحيب واللطف في كل وقتِ وحين ، الكل يُصغي إليك ويسعى إلى راحتك ، يسألُ عن نومك ؟ عن يومك ؟ ومستويات دهشتك وبهجتك ؟
شعورٌ بالألفة سريًعا ما تخلّق فينا كمشتركين ، ألفة إلى المكان وفريق المسابقة وبين بعضنا البعض كمشتركين.

المكان مجهزّ بكل ما يتعلّق بالمسابقة وبكل ما يمكن أن يخلق حالة الاستلهام لدينا ، بدءًا بشعار الموسم هذا " أقرأ .. العبور إلى الحياة " والتصميمات المختلفة المتميزة الموجودة حولنا ، كل مكان هنا هو مكتبة ، انظر يمينك ستجد كتابًا ، وانظر يسارك ستجد آخرًا ، والثالث ستجده أثناء مرورك من جهة المصعد إلى صالة الاجتماعات ، أخفض بصرك قليلاً حتى تنتبه للكتاب الموجود على الخشبة التي تم وضع إحدى شاشات العرض عليها ، الوجبات الموجودة كل وقت حتى أن الجوع الذي يتوفق في اصطيادي والتنكيل بي عادة ، يفشل في مهمته هنا وأنا محاطة بكل هذه العناية وهذا الاهتمام.

والآن دعوني أخبركم عن البعضِ هنا :
أستاذة منيرة و أستاذة لبنى الجميلتان اللتان كلما نظرتَ إليهما تجد في عينهما شكرهما وامتنانهما على وجودك هنا وكأنك صاحب الفضل لا هما ، أراهما حولي كلما التفت وكأنهما يطمئنان أننا على يُرام ،  سعيدون بما يكفي ، غارقون في أقرأ كما ينبغي ، كلما نظرتُ إليهما راودتني رغبة ملحة في أن أقول شكرًا للجميع هنا شكرًا لكما تحديدًا.
أستاذ عمر مقدّم الفعاليات ، وروحه الخفيفة المرحة ، التي لا نفلتُ بسببها من حيله المتعددة لإضحاكنا وكنّا فعلاً نضحك.

أستاذ طارق الخواجي الأب الروحي لأقرأ – كما وصفه الأستاذ عمر – لم يبدو لي مألوفًا إلى هذه الدرجة لا أعلم. سمته وقورة نظراته نظرات الأب المربي ، يحاول باستمرار أن يقرأنا ، يفهمنا ويتأكد أننا نحافظ على بريق تساؤلاتنا ، و وهج أفكارنا حاضرًا مع كل نقاش وفي كل فعالية.

أستاذ محمد القادم من بلاد المغرب والذي أنتبه إليه انتباهًا كاملاً كلّما تحدّث ، وأنا أكبّر في نفسي وأبارك موسوعيته الثقافية ، ورؤآه الفكرية النيّرة ، لم أستطع أن أحافظ على لجام فضولي وعندما سألتُ عنه اكتشفتُ أنه كاتب ومترجم ، وحاصل على الدكتوراه في الفلسفة ،فقررتُ الاستفادة منه قدر ما أستطيع.

عضوات المجموعة التي أنتمي إليها ، زينب طالبة التمريض والقادمة من الرياض ذات الوجه البشوش والضحكة الحاضرة ، لا تحتاج للبحث عنها لتعرفها ، فهي ما إن تتواجد في المكان ، حتى يقدّم لها المكان تحاياه الحارّة بما يتعلق بأفكارها وتساؤلاتها واحترامها للآخرين ، لا تترك أسئلتها معلّقة وتسعى بدأب لإيجاد الإجابات.

أمّا غدير خريجة إدارة الأعمال ذات اللهجة " الحساوية " اللطيفة والتي تعلق زينب على جمالها باستمرار ، يُدهشك نتاج صمتها ، فبقدر ما تفتقد صوتها حولك وفي الأرجاء ، ستكون متأكدًا بأنها حين تثبت وجودها ويحضر صوتها ، ستدهشك ، بفكرة أو تعليق أو وجهة نظر معينة تطرحها ،  ما الذي يحدث داخل عقلك يا غدير ! هل هي عمليات معقدة أو بسيطة في التعامل مع المعرفة ؟ هل ترهقك  ولذلك تصمتين كثيرًا ؟ أم أنك من فرط دقتك وعنايتك ، تكررين عمليات الصقل والتجويد والتحسين ؟ لتعبّري عنكِ كما تستحقين فعلاً.

وبالنسبة لنورة طالبة القانون ، التي أضمن لك أنك لن تملّ في أي جلسة حوار أو نقاش تدورُ بينكما  ، بدءًا بالحديث عن شغفها في القانون ، وانتهاءً بمواقفها الصارمة إزاء كل ما تراه وتعرفه وتتعامل معه ، لا تقبل الأمور معها التمويه ولا التميّع ،وبرغم ذلك كلما تحدثت وسمعت صوتها ، تتسآل: كيف يكون للصرامة والحزم وجهٌ أملس ولطيف ؟ اسأل نورة وستجيبك.
أخيرًا الأستاذة سارة مشرفة مجموعتنا ، المتفانية في مساعدتها وعطائها لنا ، الأخت والصديقة كما تحب أن نصفها ، نظراتها الواثقة فينا هي عصاتها السحرية لتخرج أفضل ما لدينا ، كل ضروبِ الإبداع بالنسبة لها ممكنة وحاضرة بين يدينا ، تقف في وجه العراقيل والمخاوف التي تعترض طريقنا ، لتحمينا مما نخافه وتؤكد بأننا قادرون جميعًا على أن نكون الفائزين.

هؤلاء ليسوا كل عائلة المسابقة ، وإنما صورة مجتزأة من الصورة الكليّة ، صورة تحاول أن تحكي لكم روعة الأشخاص الذين أشاطرهم المكان هنا.

من أين لي بتقويمِ أيامٍ لا تطوي صفحاتُه نفسها ،  لا تقوّض قدرتي على إيقاف الزمن حتى أمتلأ بالمكان وأشخاصه وأشيائه ، حتى أتزوّد بما يكفيني منهم لعمرٍ كاملِ قادم قد لا تتقاطع فيه الطرق ويعزّ اللقاء ويتلاشى كل شيء كأنه لم يكن ولم يحدث.




الأحد، 13 أغسطس 2017

اليوم الأول في ملتقى أقرأ 2017


الأحد 21 / 11 / 1438 هـ
لماذا شاركتِ في مسابقة أقرأ ؟
لأن الدخول إلى عالم أقرأ بالنسبة لي كان حلمًا والأحلام قليلاً ما تتحقق ، السؤال بالنسبة لي يبدو على هذه الشاكلة ، لماذا قبلت أقرأ بوجود أصالة في عالمها ، شيئًا فشيئًا تتضح الإجابة : كي تدهشني وتغذّي رباعية الشّغف عندي ( اللغة ، القراءة ، الكتابة ، الإلقاء ).
هذه الإجابة التي قفزت إلى عقلي في جلسة النقاش الأولى من اليوم الأول في الملتقى ، لكن ومع الزحام وطول المناقشات لم يتسنى لي طرحها فقررتُ طرحها هنا.
أقرأ " نورٌ على نور " نور الدهشة الذي ينبثق إثر كل فعالية وخطوة نخطوها ، لا شيء واضح ، لا شيء معروف ، حتى وهم يطلعوننا على جدول الفعاليات اليومية يفضلون أن يبقى كل شيء مبهمًا وقابلاً لقراءاتنا المتعددة ، في جدول اليوم مثلاً كُتب:
-         ما هي الدهشة ؟
-         وتأتي الفكرة | 5:00
-         سؤال العيش المشترك | 6:00
-         تشابك |7:30
ما الذي يُمكن فهمه من مثلِ هذه الكلمات والعبارات ، وفي حين وجّهنا سؤالا استفهاميًا لأحد أعضاء فريق العمل تكون الإجابة الموحدة : مفاجأة.
ويبدو أنّ قانون الدهشة والمفاجآت هو قانونهم الأول في كل ما يقدمونه لنا ، لهذا قررتُ الاستسلام طواعية لكل هذا الإبهام والغموض وأصبحتُ أستمتع بالخطوة التي لا أعرف فيها إلاّ موضع قدميّ وأنا واثقة أنّ النور سينبثق على إثر الخطوة القادمة.
النور الثاني في عالم أقرأ هو الحصيلة المعرفية الثمينة التي نحصل عليها من خلال الفعاليات.
فمثلاً  " سؤال العيش المشترك " كان عنوانًا لمحاضرة ألقاها علينا الأستاذ عبد الله الخطيب ، وهنا حلمٌ آخر تحقق ، كثيرًا ما شاهدت عبر اليوتيوب المحاضرات الثقافية المقدمة في مكتبة تكوين الإبداعية في الكويت أو المحاضرات المقدمة في مركز سيدانة الثقافي في جدة ، تخيلتُ نفسي بين الحضور ومعهم ، منتشية بفلسفة قارئ ما إزاء ما يقرأ أو خلاصة تجربة كاتب فيما يكتب ، أو طرح مثقف لموضوع ضمن مجالات اهتمامه الثقافية ، اليوم فعلاً كنتُ هناك أو هنا ، لا فرق ، فعلى المنصة وجُد المثقف وفي الصفوف الأولى جلس بعض الكتّاب ، والقرّاء حولي يزهرون في كلّ مكان ، تدثرتُ حينها ببردة الأمان.
تحدّث الأستاذ عبد الله عن النزعة الاجتماعية للإنسان من منظور فلاسفة متعددين ، واتكأ بالأكثر على اتجاه الفيسلوف تودوروف في طرحه وبالأخص في فكرة حاجة الإنسان إلى الاعتراف بوجوده في إطار معنيين
المعنى الأول الضيق يتمثّل في " الاعتراف بوجوده ككيان مستقبل " والمعنى الأكثر شمولاً واتساعًا يتمثل في التأكيد على قيمته بلونه وجنسه وفكره ودينه ومذهبه وتوجهه "
فنحن كبشر قد نحتمل فكرة أن يرفض الآخر شيئًا فينا أو منّا لكن لا نحتمل فكرة تهميشنا والتعامل معنا على أننا غير موجودين وتنوّع طرحه بعد ذلك  حول موضوع المثاقفة والممارسات الثقافية على مستوى قيم المعرفة ، بالنسبة لي كان طرحهُ ثريًا و وجدتُ جوانب كثيرة قاربتُ بينها وبين تخصصي الدراسي في الخدمة الاجتماعية ، ومن جملة العبارات الملهمة التي قالها مسشتهدًا بصاحبها : أن تكون تلميذَا يعني أن تتعلم كيف تنهض في الحياة "
بعد انتهاء تلك المحاضرة الماتعة تمّ أخذنا في رحلة ، ركبنا الباص ونحن نجهل وُجهتنا ، الآن لم أتكبّد عناء التفكير في الوجهة والحدث ، بعد مرور نصف ساعة تقريبًا وجدنا أنفسنا أمام جمعية الثقافة والفنون في مدينة الدمام ، أوه يبدو الأمر مثيرًا ، نزلنا وجلسنا في الصفوف الأمامية ، ونحن نجهلُ إلى ذاك الحين ما الذي سيحدث وفجأة ومن بين الظلام ظهر وجهان من خلف الطاولة التي كانت على المسرح أحدهما من اليمين والآخر من اليسار ، ما الذي حدث ؟ التفاتة واحدة على الجمهور الكريم تقرأ من خلالها علامات الانتباه الكامل والتساؤلات المفخخة المطروحة في أعينهم ، والابتسامات المشدوهة ، والضحكات المتعالية بين الفينة والأخرى ، التحايا الحارة التي كانت تقطع العرض المسرحي كل مرة ، تُدرك من خلال كل ذلك أنّ ما حدث لم يكن عاديًا ، والاستثناء كان كامنًا في تكرار الحضور لعبارة " أول مرة أحضر مسرحية "
فكيف والمرة الأولى تُكلل بكل هذا التوفيق والنجاح ، كان عنوانها " تشابك " ، وتنتمي إلى المدرسة الملحمية ضمن فنون المسرح والقاعدة الأولى فيها هي ( كسر الإيهام ) وهذا يعني أنه من فور اعتقادك إثر مقطعٍ ما بأنك فهمتَ المعنى وقبضت على جوهر الحدث ، تدرك أن محاولتك ، كانت محاولة فشلِ ذريع ، أنت هناك فقط لأجل الأسئلة ، لأجل أن تتخبط بينها ، وتخلق المزيد منها ،  وتقف على كل الاحتمالات وترى الوجوه المتعددة للحقيقة.
كنّا على المسرح أنا وكلّ الحضور وأنتّ ، حاول الممثلان المبدعان عبد الرحمن المزيعل وسامي الزهراني أن يجسدا الحوار الأزلي القائم بينك وبين أناك ، حاولا أن يقفا في تلك المنطقة الحساسة التي تشعر بسببها دائمًا بأنك كلُّ واحد في قمة تناقضاته.
الآن وفي نهاية يومي الأول في الملتقى أشعر بفورة الأفكار في عقلي ، ولم تشبع هذه التدوينة القصيرة في طولها والمبخسة في محتواها حاجة البوح والإفضاء والاتساق لدي .
أنا هنا بسبب القراءة وأكثر ما أمارسه شخصيًا هو التدوين والكتابة ، وأجهز لإلقاء فكرتي التي ستكون نتاج وجودي في هذا الملتقى ، واللغة حاضرة في كل ذلك ، عالم أٌقرأ فعلاً " نورٌ على نور "




الخميس، 10 أغسطس 2017

القيم / دورة المعرفة الذاتية



أرفق هذه المقالة في المدونة كتوضيح أكثر تفصيلاً حول موضوع " تحديد البناء القيمي الشخصي " كأحد محاور دورة المعرفة الذاتية التي قمتُ بتقديمها يوم الأربعاء الموافق 17 / 11 / 1438 هـ ضمن سلسلة دورات الذكاء الذاتي والتي أهدف من خلالها إلى تفعيل دوري الوقائي والتنموي مع أفراد المجتمع كأخصائية اجتماعية محاولةً رفع الكفاءة الذاتية الخاصة بهم في مواجهة مواقف الحياة والتصدي لعقباتها ومشكلاتها والتعامل بفعالية مع تجاربها وخبراتها من خلال اتخاذ القرارات التي تحقق للفرد أقصى استفادة ممكنة من قدراته وإمكانياته ومساعدته على تحديد أهدافه وتحقيق مستويات جيدة من النمو.

حيث جاء هذا الموضوع من  حيث أهميته في تكوين الوعي بالذات و مساعدة الفرد على تحديد أولويات حياته وتسهيل عملية اتخاذ القرارات فيها كقرار اختيار التخصص الجامعي مثلاً أو اختيار شريك الحياة بالإضافة إلى دور القيم في تقويم سلوكيات الفرد كمعيار يُحتكم إليه.

درج الخلط بين مفهوميّ المبادئ والقيم لدينا وكثيرًا ما اقترن ذكرهما ببعضها البعض ، ولأنّ موضوعات القيم عامّة من الموضوعات التي تقع ضمن حيّز اهتمامي ، حضرتُ العديد من الدورات التي تتحدث عنها وحولها ، فضلاً عن مساهمتي في إعداد بعضها ، بالإَضافة إلى قراءاتي في هذا المجال ، وعلى إثر ذلك أطرح لكم تعريفاتي البسيطة التي أحاول من خلالها إجلاء الخيط الرفيع الفاصل بين مفهومي المبادئ والقيم ، والباب مفتوحٌ لكل الاجتهادات المماثلة والتي ستفيدنا بالتأكيد.
المبادئ  :هي القواعد الأساسية التي تحكم علاقاتنا مع الله ثمّ الكون والبشر وتفاعلاتنا مع البشر ( كمسلمين تعتبر المبادئ الأخلاقية في الدين ).
طبعًا هذه لا فصال ولا جدال فيها مثل العدل والصدق والصبر والبر والأمانة والإيثار وغيرها من المبادئ التي نعترف بوجودها كمسلمين لكن لا تحكم جميعها سلوكياتنا ولا بعضها بنفس الدرجة.
القيم : هي التفضيلات مادية كانت أو معنوية لفرد أو جماعة أو مجتمع.
حين نقول أنها تفضيلات فهي ليست فقط تفضيلات أخلاقية ومعنوية لكن قد تكون أيضًا مادية ، فهي كل مفهوم ذا شأن وقيمة لدى الأفراد أو الجماعات أو المجتمعات ، مثل قولنا بوجود مجتمعات تسودها القيم المادية النفعية ، هذا يعني أنّ غالب القيم المادية تسود القيم المعنوية لديهم ، انفعني لأنفعك لا توجد قيمة للإيثار أو البذل أو توجد لكنها متدنية ، على مستوى الفرد مثلاً قد يحاول الفرد الحصول على المال متجاوزًا العديد من القيم المعنوية كالأمانة والصدق وغيره.
وهنا عدتُ لذكر الأمانة والصدق كقيم معنوية في حين أني ذكرتها سابقًا كمبادئ
فأعود للتأكيد أننا نقر بوجود المبادئ لكن لا نتصرف جميعنا على أساسها ، لكن حين نقول أن هذا الشخص يعتبر الأمانة قيمة مهمة لديه هذا يعني أنه بالضرورة يتصرف على أٍساسها لأنها جزء من بنائه القيمي الشخصي.
إذن مبادئي كمسلم ، وقيمي الشخصية كفرد.

أذكر هنا مثالاً توضيحيًا للعبة قديمة جرّبها البعض ، تدور حول سؤال ( فيم لو تخييرك بإلقاء البعض من السفينة حماية لها من الغرق والإبقاء على شخص واحد فمن سيكون ؟ )

لو كانت قائمة الموجودين تدور حول الأم والأب والأخ والجار وشخص غريب
سيكون التفاضل بين الخيارات السابقة نابعًا من منطلقات المبادئ المتعلقة بالدين أمامنا كمسلمين ، هذا يعني أنك قد تتخلّى عن الشخص الغريب أولاً من منطلق أنّ الأقربون أولى بالمعروف ، والجار له حصانته بوصاية الرسول صلى الله عليه وسلم عليه ، ثمّ تتخلّى عن الجار مقابل الأهل ثمّ عن الأخر مقابل الوالدين ، ثمّ قد ترجح كفّة الأم التي ذكرت فيها الوصية ثلاًث مرات مقابل المرة الواحدة للأب.
لكن ماذا لو كان في السفينة أخان لك ، كيف ستفاضل بينهما ؟
دعنا نفترض أنّ الأخ الأول قدّم لك في حياتك تضحية طالما عبّرت له على إثرها أنك لن تنساها له ، والأخ الآخر لديه عائلة زوجة وأبناء. هنا يمكن للتفاضل أن يكون على أساس القيم ، ففيم لو كنت شخصًا تُعلي قيمة التضحية وردّ الجميل فيسكون أخوك الآخر كبش الفداء ، وفيم لو كنت شخصًا تُعلي قيمة العائلة ، سيكون أخوك الأول هو كبش الفداء.

ولن تكون مخطئًا في الحالتين ، فعند الحديث عن القيم لا توجد قيمة صحيحة وأخرى خاطئة ، ولكن يوجد توظيف صحيح لقيمة وتوظيف خاطئ لها.
وهنا تجدر بي الإشارة إلى أولئك الذين يقدّمون لنا نصائحهم وتوجيهاتهم عندما نصل لمفترقات طرق الاختيار في حياتنا، فنجد أن كل واحدٍ منهم يعطينا سلسلة طويلة من النصائح قوامها منطلقاته القيمية الخاصة به ، وهذا لا بأس فيه ، لكن العجب فيمن يتعامل مع هذه النصائح على أساس كونها الوجه الوحيد للصواب وما يجدر اتخاذه أو فعله ، كل منظومة قيمية تعبّر عن حياة صاحبها وشخصيته وبيئته وربما تجاربه وخبراته.

أمّا عن أنواع القيم فقد تعددت تصنيفاتها واختلفت حسب منطلقات العلوم الباحثة فيها ، وهنا أضع التصنيف الأقرب لمجال حديثنا :
أنواع القيم:
1- القيم الدينية:  هي التفضيلات التي يُعليها لنا الدين بخصوصها في علاقتنا بالله عز وجل مثل استشعار مراقبة الله ، الخشوع والرجاء و غيرها ، نلاحظ أنها تعبر عن المبادئ بشقها المتصل بعلاقتنا مع الله
2- القيم الاجتماعية : هنا التفضيلات التي تربطنا في علاقتنا بالبشر مثل الإيثار والعطاء وهنا تعبر عن المبادئ في شقها المتصل بعلاقتنا مع البشر.
3- القيم الاقتصادية: تفضيلات المال والاستهلاك والانتاجية.
4- القيم السياسية : التفضيلات المتصلة بعلاقة الحكومات بشعوبها والحكومات ببعضها البعض والعلاقات القيادية
5- القيم المهنية أو العملية : التفضيلات في ميادين العمل كالالتزام والانتاجية والتطور والإبداع
6- القيم الجمالية.المتعلقة بتفضيلات الناس حول الأذواق والفنون
7- القيم النظرية : المتعلقة بتفضيلات الناس في ميادين العلم والمعرفة والفكر بحثًا عن الحقائق القوانين التي تحكم الأشياء.
وبالتأكيد كل ما سبق بالنسبة لنا كمسلمين مرجعيته الدين.

أمّا عن مناط حديثنا " القيم الشخصية "
فهي التصنيف الانتقائي من كل ما سبق بالإضافة إلى قيم تحقيق الذات مثل النمو الشخصي والتميز والطموح.
وقد ذكرتُ بداية أهمية وجود القيم الشخصية ، وتتعدد مسمياتها كالسلم القيمي الشخصي أو التدرج القيمي الشخصي أو الهرم القيمي الشخصي.
هذه التسميات نسبة للتفاضل بين القيم لدى كل منّا لأنها لا تمثل لنا نفس الدرجة من الأهمية والأولوية وهنا يتضح أكثر دورها في تحديد أولوياتنا وقراراتنا.
ويوجد ترتيب يقابل هذا الترتيب وهو الترتيب العشوائي للقيم الذي يخضع لظروف وضغوط معينة كشخص تكون قيمة الصحة لديه في الدرجة الثامنة من الأهمية مثلاُ ( فهو لا يمارس الرياضة ولا يهتم بما يأكله ولا يلتزم بالوجبات الغذائية أو لا يلتزم بتناول أدوية مرضه المزمن ) فإذا تعرض لوعكة أو مصاب صحي اعتلت قيمة الصحة قائمة أولوياته لتصبح في الدرجة الأولى.
وقد نسميها منظومة القيم الشخصية كونها كل متكامل أخذنا فيه من كل نوع وبترتيب معين قدّم لنا شخصية ومجموعة سلوكيات متفردة لكل واحد فينا.

وأخيرًا أرفق هنا اختبارين لتحديد البناء الشخصي القيمي الأول فيهم للباحث في مجال القيم باريت من خلال موقعه ، والثاني منهم فهو من خلال الإجابة على مجموعة من الأسئلة المباشرة :
اختبار مركز باريت للقيم على هذا الرابط :

بعد القيام باختيار القيم يتم إرسال رسالة على بريدك الخاص بالنتيجة التي ستقوم بقراءتها ومطابقتها مع واقعك.
الاختبار الثاني هو من خلال الإجابة على أسئلة اكتشاف القيم المباشرة :
س1/ ما هو أهم شيء بالنسبة لك والذي لا يمكنك التنازل عنه ؟
س2/ متى تشعرين أنّك بقمة حماسك وفرحك أو بقمة استيائك وحزنك ؟
س3/ ما الذي يُلهمك في قدواتك ؟ هل أنتِ مستعدة أن تكوني
قدوة في نفس المجال ؟
س4/ما الذي تستطيعين بذل مالك وقتك وجهدك في سبيل الحصول عليه أو الوصول إليه ؟
ثمّ لتسهل عليك مهمة ترتيب القيم التي حددتها من خلال أحد الاختبارين السابقين ، فضع نفسك أمام أسئلة تفاضلية ، مثلا إن كان المال والعلم من القيم الهامة بالنسبة لك ؛ لتحدد أكثرها أهميّة اسأل نفسك ، هل تستطيع العيش في مستويات دنيا من الكفاف مقابل أن تكون متعلّما ؟ أو تستطيع أن تحيا بنطاق ضيق من العلم والمعرفة مقابل حيازتك على المال ؟

وعلى هذا الرابط ستجدون قائمة كبيرة تتكون من 170 قيمة يمكنها مساعدتك في تحديد البناء القيمي الشخصي الخاص بك وفي حال وجدت أنك تميلين لقيمتين متقاربتين كالالتزام والانضباط الذاتي مثلاً فخذي القيمة الأعم وهي الالتزام.

وهنا رابط أخير يحوي مقالة للدكتور جمال بن عمار الأحمر الجزائري عن القيم الشخصية وهي من أهم المقالات التي قرأتها في هذا المجال لتعدد مراجعها وثراء مضمونها وتفصيلاتها ، قد تفيد الباحثين عن الاستزادة في هذا المجال.


تحيّاتي : أصالة كنبيجه


السبت، 5 أغسطس 2017

أثقلُ من رضوى !


أنهيت رابع تجربة قرائية لي في رمضان بكتاب " أثقلُ من رضوى " سيرة ذاتية للروائية المصرية والأكاديمية رضوى عاشور – رحمها الله – زوجة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي ، أعتقد عندما قلتُ مريد اتضحت العلاقة بين هذين الانتقائيين هذه القراءة والقراءة السابقة لي لرأيتُ رام الله ، نعم كانت أحد دوافعي لانتقاء الكتابين هو التعرّف على هذه العائلة المثقفة التي لكل فرد فيها باعٌ في الكتابة والأدب الأم والأب وابنهما بعد رؤيتي لمقطع على اليوتيوب يجمعهم جميعًا ، أخذتني خيالاتي حينها لرسم صورة جذّابة حول ثراء الحياة التي تعيشها عائلة كهذه ، ما أشهى لقاءاتهم وأمتع أحاديثهم وأوسع آفاقهم ، ما كمّ المتعة التي يستيقظون على إثرها كل صباح لبدء يوم لا يخلو من بصيرة حصيفة تتعاملُ مع الحياة بعمقٍ لا يتأتّى للمنشغلين بها عنها. كيف يخططون للعناية بمكتبتهم ورعايتها وهي تكبر وتنمو ، كيف يتناقشون حول نتاجهم الأدبي بطريقة نقدية يكمل فيها كل رأي ، الرأي الآخر ، كيف و كيف وكيف ؟
وبعد أن مررتُ بهاتين التجربتين ، بدت لي سذاجة الأوهام والخيالات التي نسجتها ، لأنّ ترفًا كالذي تخيلته لم يكن ليتمخض أبدًا عما قرأته في عاطفة مريد والتمسته في عقل رضوى وحياتها ، ترفٌ كهذا لن تنجب ابنًا كتميم قطعًا.
سيرة رضوى التي قرأتها في مؤلفها " أثقلُ من رضوى " عصفت بارتيابي حول السير الذاتية وكتّابها.
كثيرًا ما تسآلت ، أي نرجسية تلك التي يمتلكها شخصُ يرى أنّ حياته أهلٌ لصياغتها بين دفتيّ كتاب شخص يؤمن بأحقية أن يكون عمره ، عمرًا مضافًا إلى أصحاب المكتبات وعشّاق القراءة ؟ ما الاختلاف الذي عاشه وأعطاه كل هذه الثقة ؟ ماذا يريد أن يقدّم ويقول لي كقارئة ؟
رضوى أجابت عن أسئلتي ببراعة تامة وبددت كلّ هواجسي حتى أنّي أفكر ما السيرة التالية التي يمكن لي قراءتها .
كاتبُ السيرة شخصٌ أكثر تواضعًا من مزاعمي السابقة ، شخصٌ ارتأى أن سلاحه الوحيد لمواجهة مخاوفه وتحديد مواقفه و التعبير عن خوالجه وفهم تجاربه هو الكتابة ، لأنه لا يتقن حرفة غيرها تقدّم له كل هذه المزايا ، مزايا تجعل الحياة أخفّ وطأة ، وأكثر بساطة و وضوحًا وأشدّ عمقًا.
حدثتني رضوى عن مصر كما لم أعرفها من قبل ، عن مدنها وشوارعها ومبانيها وجامعاتها ، رأيتُ بوضوح تلك الجامعات التي تخرّج منها دكاترتي في الجامعة ، لأنّ مصر هي الدول العربية الأولى التي درست الخدمة الاجتماعية في معاهدها وكلياتها ، فاستعانت جامعتي ببعض أبنائها وبناتها.
حدثتني رضوى عن شباب مصر  الذين ينامون في الشوارع في ميدان التحرير تحديدًا ، الذين ارتوت أراضي مصر بدمائهم وهم يقومون بمظاهرة ما ، أو ثورة ما ، أو احتجاج ما ، الذين يحبون مصر حدّ أن يفدوها بأرواحهم لتهنأ الأجيال القادمة مما حرموا هم منه ، كانوا يثورون ثأرًا لأنفسهم وتاريخهم ومستقبلهم وأرضهم ، لحياة كاملة يؤمنون تمامًا أن كل مصري يستحقها حتى وإن لم يحظوا هم بها.
تحدثت عن شخصيات شابة كثيرة ، عرفتها وأحببتها وأكبرتُ فيها كل تلك الجرأة والغيرة والخلق والعلم.
تحدثت عنها هي الأكاديمية في جامعة عين شمس في القاهرة في قسم آداب اللغة الإنجليزية ، التي شغلت بعلمها وفضائلها العديد من المناصب ، ثمّ حرمت بعضها بسبب تمسكها بمادئها وقيمها في وسط المحسوبية وتقديم المصالح الشخصية على حق الله وعباده و الواجب ، تحدثت عن نفسها وهي تواجه مرضًا نادرًا لا يصاب به إلا شخص واحد بين كل عشرة آلاف ، وتتغلب مرات عديدة عليه بفضل الله ثم دعم الأحبة حولها ، وقفت كثيرًا عند عبارة قالتها : " من يجرؤ على الرحيل في وجود كلّ هؤلاء الأصدقاء ؟ لا أحدّق طويلاً في الأمر ، أغضّ الطرف ، لا أملك تسليم القياد إلى عاطفة تفتح الباب لهشاشة أجاهد في نفيها " أرى بسالتك وهشاشتك في وقتٍ واحد يا رضوى.
الآن أتحدّث أنا عن رضوى ،وأسأل أين كانت تلك المرأة في خضمّ هذه الحياة وجلبتها ، زوج فلسطيني تجبره ظروفه للغياب عنها ما يقارب ال17 عامًا فوجدت نفسها تتصدى لمهمة تربية ابنهما البالغ من العمر 5 شهور فقط في وطنٍ جرحه ينكأ باستمرار بأيدي أبنائه ، ومع مرضٍ كان قدرها أن تكون هي الشخص المصاب به من بين 10 آلاف شخص وفي وظيفة تجاهد لأن تكون أهلا لها بقيمها ومبادئها ، ثمّ وفاة أخيها الأكبر تتبعه أمها بعد عدة أسابيع ، بماذا كنتِ تشعرين مع كل هذا يا رضوى ؟
أفهم دموعكِ المنسابة التي كابدتِ مرارًا لحبسها ولكنها رغمًا عنكِ تنهمر في حضرة زوجك وابنك دون أن تعرفي سببها فيحاولان مدفوعان بخوفهما عليك تهدأتكِ وتجاوز الأمر. كان لكِ أن تبكي.

كان لابدّ لرضوى أن تكتب سيرتها سأعبر لها عن شكري بالدعاء لها ، فقد أكسبتني بعدًا وعمقًا جديدًا لفهم الإنسان ومعرفة مصر ، ، والأهم أيقنت أنه لو كان احتمال تشابه الحيوات بين كل الناس واردًا لكانت أيضًا هناك فسحة للاختلاف في طرح السيرة ، فسحة تتحدد بعمق البصيرة والنضج الإنساني في فهم التجربة ، ومشاعرٍ كل شخص في كل موقف أو حادثة.
أخيرًا  سألتُ  نفسي ما الذي آلمني أكثر ؟ هل انتهاك الإنسانية في وطنٍ على يد أعدائه أو انتهاكها في وطنٍ على يد أبنائه ؟ ما الموجع أكثر الجرح الذي يخلفه العدو ؟ أو ابن الوطن ؟

الخميس، 27 يوليو 2017

مرحلة المقابلات الشخصية في أقرأ 2017



كانت ساعة واحدة فقط ، ساعة سريعة ومدهشة ، لم تكفني لأتلمس كل شيء لأتأكد من حقيقيته ، اكتفيتُ بامتصاصه عبر بصري وها أنا أكتب مستعينة بما علق في ذاكرتي البصرية التي لا زلتُ أسألها إلى الآن هل كان كل ذلك واقعًا ؟
بدأ الأمر منذ اتصال مشرفة المسابقة على هاتفي المحمول لتهنئتي بترشيحي إلى المرحلة الثانية من مسابقة أقرأ 2017، وإعلامي بموعد ومكان عقد المقابلات الشخصية ، باستثناء السعادة اللحظية التي شعرتُ بها عند تهنئتها ، بعد ذلك غدا كل شيء عاديًا ولم آبه كثيرًا ، إلى أن جاءت ليلة الذهاب إلى المقابلة التي لم أشعر فيها بأي نوع من الحماسة أو الاهتمام ففكرتُ وعلام خوض تجربة أبدي تجاهها هذا الكم من اللامبالاة ! وبين شدّ الأفكار وجذبها ، قررتُ الذهاب بتلقائية تامة ، وحين وصلتُ إلى الفندق واستقبلنا أحد الأعضاء القائمين على المسابقة ، وأعلمنا بضرورة توقيع بعض التعهدات ، حينها فقط بدأت مشاعر الحماسة تجاه تجربة جديدة ثرية بالتدفق داخلي ،وكأن لامبالاة الأمس كانت قرارًا اتخذته لأحتفظ بكلّ مشاعري إلى وقت خوض التجربة حتى لا أستنفذها وتحضر كاملة، صعدنا إلى الأعلى أنا وباقي المرشحات مع إحدى المشرفات ، وجّهتنا لدخول غرفة امتلأت بالمشتركين والمشتركات في حضرة مشتركتين لهما تجربتهما السابقة في المواسم المنصرمة من المسابقة ، حيث أنهما كانتا تطرحان بعض الأمثلة للأسئلة التي يمكن أن تُطرح علينا ، وتشرحان مراحل المسابقة مما خفف التوتر البادي على وجوه الجميع ، وأثناء الانتظار تعرّفت على أحلام المشتركة التي كانت بجانبي والتي جمعتني بها صدفة أن نكون من نفس الجامعة ونفس الكليّة وهذا الخيط من الانتماء إلى مكان واحد سرّع حضور الألفة بيننا وتداول بعض الأحاديث وتشارك شرب " الكابتشينو " إلى حين حضور المشرفة مجددًا باحثة عني ، أصالة ؟ أين أصالة ؟ نعم إنها اللحظات التي يشكل فيها وقع اسمي على أذنيّ جرس إنذار يؤذن بقرب ساعة الصفر والإثارة.
ذهبتُ معها وقبل دخولي إلى غرفة ثانية سألتني أمستعدة ؟ فقلتُ لها كمن أمضت ليلتها كاملة في الاستعداد لهذه اللحظة – ولم أفعل ذلك طبعًا – نعم مستعدة ، فتحت لي الباب ، دخلتُ ، انبثق النور وبدأ كل شيء ...
جلستُ على طاولة وكرسي في مقابل 4 أساتذة كرام من اليسار أستاذتين وأستاذين ، ومصورين أحدهما يستخدم " الكاميرا " الواقفة والآخر يلتقط الصور بين الفينة والأخرى ، وفي حين أنها كانت المرة الأولى التي أكون فيها القِبلة الوحيدة في حضرة " الكاميرا " أنا التي سمعتُ مرارًا عن رهبة تلك اللحظة وهذا التركيز القادم من عدساتها لم أكن منتبهة لها إلى هذا الحد في حضرة الحوار الماتع الذي كان قائمًا بيني وبين الأساتذة ، بدأت الأستاذة التي تجلس ثانيًا من اليسار في توجيه أول سؤال " عرّفي بنفسك يا أصالة وعلاقتك بالقراءة "
حضرت اللغة حضورًا يعرفُ مكانه جيّدًا ويحترم ميعاد حلوله ، عرّفتُ باسمي وتخصصي ومشاركتي التي استخدمتها في التسجيل في المسابقة ، وانتقائي لذاك الكتاب تحديدًا ، تحدّثتُ وتحدّثتُ حتى بان في حديثي ذاك الانتماء العميق لعائلة البرغوثي وكان هذا تعليقًا من أحد الأساتذة عليّ ، وفجأة وجدتني أتحدّث عن الشعر ، عمن أقرأ لهم بدأت بالشاعر السوداني محمد عبد الباري ، حينها فقط ومن نظرة الانتشاء الواضحة في عين آخر الأساتذة من اليمين أدركتُ أنه ذو أصول سودانية ، وكأنه كان يقول : نعم هذا ابننا.
وتحدّثت عن ابنهم وعن أحمد بخيت عن قصيدة مالم تقله زرقاء اليمامة للأول وعن قصيدة رام الله للثاني ، كانت بهجتي حاضرة بقوة في كل ذلك ، كنت أعيش أحد خيالاتي ، كم تمنيتُ أن أكون أحد المشاركين في مسابقات الشعر أو اللقاءات الثقافية المعروضة على شاشات التلفاز ، أن أكون في حضرة من يفهم اللغة والشعر وفلسفتي حول الإنسان والنصوص التي أقرؤها ، ويشاركني كل ذلك. هناك وفي ذاك الحوار حدث كلًّ هذا ، كانوا منتبهين إلي، يسمعون ويستمعون ويسألون ويبتسمون ويطرحون تعليقاتهم بلطفٍ تام ، لم أكن في حضرة التقييم وإنما في حضرة أحد الأحلام .
سُئلتُ عن :
-        مجالات قراءاتي.
-        مريد البرغوثي الذي كان حاضرًا في مؤلف أثقل من رضوى لزوجته رضوى – كونه الكتاب الذي شاركتُ به -.
-        رأيي في العلاقة بين النتاج الأدبي وبين صاحبه فيما إذا كان أحد الذين ينتهكون قيم السلام والإنسانية.
-        أقرأ شعر من ؟ ورأيي في أطروحات الشاعرين محمد عبد الباري وأحمد بخيت وإلقاء كل منهما للقصائد.
آخر سؤال بدر من الأستاذة التي كانت تجلس أولاً من اليمين قالت لي : بما التمستُ فيك من روح الكاتبة يا أًصالة هل تكتبين ؟
كان سؤالها محرجًا ومؤلمًا لكني أجبت :
لا أرى أني كاتبة وإنّما هي محاولات كتابة في مدونتي.
فسألت عن ماذا تكتبين ؟
فأجبتُ عن التجارب والكتب وما أستلهمه من كلٍ منهما.
قبل أن أخرج قدمت لي الأستاذة توصية بقراءة ديوان محمد عبد الباري الجديد ، وقدّم لي الأستاذ توصية بقراءة أطروحات أخرى لأحمد بخيت.

وفجأة انتهى كل شيء ، خرجتُ من الغرفة ، من المكان الكبير ، من الفندق ، بعد ساعة واحدة من الدهشة والبهجة اللتان أشعر بهما وأنا أكتبُ الآن ، لكن الشيء الوحيد الذي لمسته ومتأكدة منه هو وجود أحلام معي في غرفة الانتظار لأني صافحتها ، لم ألمس مقبض الباب الذي انبثق منه النور لأن المشرفة هي من فتحته لي ، لم ألمس الكاميرات التي جلستُ في حضرتها ، لم ألمس الأساتذة الكرام ، لم ألمس أسئلتهم وابتساماتهم ولطفهم ، فهل كانت تلك ساعة حقيقية في عمري ؟ مذكراتهم التذكارية هي ما سيثبت لي دائمًا أني خضتُ هذه التجربة فعلاً ، عامي الـ 21 لا زال يدهشني.

الجمعة، 21 يوليو 2017

السجن





كانت إحدى أهم وأمتع تجاربي الشخصية تجربة ذهابي إلى سجن النساء العام خلال الفصل الدراسي المنصرم لحضور حفل ختام أنشطة زميلاتي الأخصائيات الاجتماعيات المتدربات فيه ،  دخلتُ إليهِ وأنا مذهولةُ منه ، أتحسس المكان بفكري جيدًا ، أتمعن فيه وأحاول المقاربة بين الصور التي ارتسمت في مخيلتي  إثر قراءاتي في أدب السجون تارة وتارة أخرى إثر ما شاهدته في بعض المسلسلات التلفزيونية ، وأتسآل أي الصور أصدق وأكثر واقعية ؟ ما الفوارق ؟
بحثتُ عن الإنسان المسلوخ عن إنسانيته ، الإنسان الذي يُعامل كرقم ، زيادته بلاء ونقصانه خيرة ونعماء ، بحثتُ عنه هو المغتال في كرامته حدّ أنّ الترف الوحيد الذي يطاله هو الاعتراف بوجوده كرقمِ فقط ، هو ليس ابن أمه أو أبيه هو ليس ما كانه أو يكونه هو الرقم 1 أو 2 ، أو 3 حسب وقتِ وصوله إلى رحاب السجنِ.
بحثتُ أولاً عن قصة تشبه قصة عزيز الذي حكى عنه الطاهر بنجلّون في رواية تلك العتمة الباهرة أحد المعتقلين في سجن تزمامارت في صحراء المغرب البعيدة ، البعيدة.
قصة تشبه  قصته وقصص زملائه المعتقلين الذين كانوا يتساقطون واحدًا تلوَ الآخرِ من فرط الطعنات المتوالية على حقهم في الحياة ، بدءًا بالزنزانات الصغيرة التي يبلغ طولها 3 أمتار وعرضها مترٌ ونصف لها سقفٌ منخفض يتراوح ارتفاعه بين مثة وخمسين ومئة وستين سنتميترًا حيث لم يستطع عزيز حتى أن يقف فيه وفي أحد زوايا الزنزانة كانت حفرة التبوّل والتبرز – أكرمكم الله -  يقول عنها في الرواية "
كانت جزءًا من أجسادنا ، والأفضل أن نسارع إلى نسيان وجودها ، لكي نكف عن اشتمام روائح البراز والبول ، لكي نتوقف عن الشمّ إطلاقًا . ولكي نفعل لا ينبغي أن نسدّ أنوفنا . لا ، إطلاقًا بل ينبغي أن ندع أنوفنا مفتوحة ونتوقف عن الشم "
وفي مقطعٍ آخر " كان كل شيء محسوبًا بدقة ، إذ يحق لكلٍ منّا خمسة ليترات من الماء يوميًا.
من أوحى إليهم بهذا الرقم ؟ الأرجح أن أطباء قد أشاروا عليهم بذلك.وبأية حال ـ لم يكن الماء صالحًا للشربِ تمامًا. كنتُ أملك كرازًا من البلاستيك أسكب فيه الماء وأدعه يومًا كاملاً ليرسب وقد تجمعت في قعر الكراز طبقة من الوحل والقذارات.
توقفتُ أفكر في هذا المقطع محاولة استيعاب شناعة مكانٍ كهذا ، محاولة فهم سيكولوجية حرّاس المكان والقائمين عليه ، ففشلت.
وفي حين نقم عزيز على الظلام قائلاً في رواية تلك العتمة الباهرة " هناك أنماط للصمت في السجن وذكر منها الصمت الأشد قسوة والأشدّ وطأة ، كان صمتُ النور. صمتٌ نافذٌ ومتعدد.لحظات صمت النور ، غيابه المتمادي الذي لا ينتهي"
إذ يمجّد ظلام الليل في مكانٍ وزمانٍ مختلفين الدكتور أيمن العتّوم في تجربة سجنه التي حكاها في رواية ( يا صاحبيّ السجن) قائلاً " في الليل كنتُ أرى الأشياء بوضوحٍ أكثر، حرصتُ أن أعاين ذاتي في عتمة الليل؛ لأنها تتبدّى هناك جليّة بمراحل قياسًا على ما عداه... ، في الليل استعضتُ عن البصر بالبصيرة لأتلمس الدرب ، وحدها البصيرة لا تكذب ... فعندما تنظر بعيون القلب ترى الأشياء على حقيقتها "
أقفُ هنا أيضًا وأمعن في فهم العلاقة بين الليل والسجن والعزلة والصمت وبين هذا الاستجلاء والوضوح الكامل في الاستماع إلى الذات وفهمها ، أتذكر بعض اللحظات التي أمرّ فيها فأفكر مليًا بإمكانية الهرب إلى مكانٍ بعيد ، بعيدًا عن الناس وأصواتهم قريبًا جدًا مني في حضرة الصمت والعزلة.
ومع استحالة فكرة كهذه أقارب أكثر بين هذه الفكرة والحال التي أكون عليها في بعض أوقات عزلتي البسيطة ، فأفهمُ إلى أي مدى يمنحنا البعدُ عن الآخرين – حين تستوجب الضرورة أو نستجلبها – صفاءً نرى من خلاله أنفسنا بجلاء ونسمع صوتها الضائع في حضرة صخبهم بوضوح ، أفهم إلى مدى تمنحنا العزلة فرص الإصلاحِ والتشذيب لذواتنا وتطهير ما علق فيها من شوائب في غمرة وجودنا المستغرق مع الآخرين حولنا. أفهمُ أنّ السجين يمتلكِ ميزة يفتقدها الكثيرون ، فيكررون أخطاءهم ويقفون مكانهم ويجترون أفكارهم الباليّة بتكرار مشين.
خلال تجربتي في زيارة سجن النساء ، قدّر لي أن ألتقي بمجموعة من نزيلاته ، لم تفصل بيني وبينهنّ القيود والقضبان ، مشين أمامي ، وجلسن خلفي لحضور الحفل ، مررتُ بجانبِ إحداهن حين ذهبتُ لشرب الماء ، ابتسمت لي ، مدت إليّ كفها مصافحةً ، رددتُ الابتسامة ومددتُ كفّي.
حينها تأكدت لي قناعتي التي طالما فكرتُ فيها وناقشتُ أبي حولها فدافعتُ عن السجين كثيرًا ، دفاعًا لا يبرر فعلته ولا يسوّع جريمته ، دفاعًا يقرّ بإنسانيته فحسب. نعم يستحق العقاب وهذا حقّ الله ثمّ حقّ العباد.
لكنّه إنسان ، متأكدة أنه بذل ما في وسعه لئلاّ يصل إلى هنا ، حاول كثيرًا أن لا يتشوّه وألا يُدان.
لكن ضعفه أمام المال أو الانتقام أو أيًا ما كان ، هو ما ساقه إلى هنا ، لقد كان إنسانًا ضعيفًا طوّقته ظروف أهله أو أصحابه أو مجتمعه وإرادته كانت أضعف من أن تواجه وتقاوم.
وبالعقاب قد يتعلّم كيف يصبح أقوى ، وبإرادة أكثر مقاومة ، وممانعة ، هو إنسان معلول في نفسه والبعض في عقله وتفكيره، فالإنسان السليم المعافى لا يقدم على أيّ من ذلك ،وبنظري أنّ المعلول يستحق المساعدة ليشفى ويعود أفضل مما كان عليه.

أخيرًا لم يشبه السجن الذي زرته أيًا من تلك الصور لم يشبه سجن تلك العتمة الباهرة ولا سجن يا صاحبي السجن ، لكنه كان حقيقيًا و واقعيًا مثلهم ، وجدتُ فيه الإنسان المفجوع بنفسهِ أحيانًا والموجوع منها في أحايين أخرى ، وجدتُه هو الذي يمعن أخوه الإنسان في نكئ جرحه مرارًا وتكرارًا ، إن لم يكن داخل السجن ، فخارجه ، أينا يقدر أن يمنح السجين بعد خروجه من السجن فرصة ميلادٍ ثانية لولوجه إلى الحياة من جديد دون أن يقصيه عنها ؟ أينا يستطيع أن يمنحه فرصة أن يكون مرة أخرى ، جاره أو أخوه أو أبوه أو عمه أو خاله أو أمه أو ...   ؟ فرصة نقية خالصة لا تشوبها حتّى شائبة نظرات الريبة والإزدراء. في ماذا تفوقنا عليهم نحن الممتلؤون بالأخطاء الظاهر منها و الباطن ؟
في ماذا تفوّقنا عليهم إن كان البعض منهم أخطأ في حق العباد مرة ويخطئ البعض منّا في حقّ ربّ العباد مئات المرات ؟ بقدر صدق المرآة التي تعكس لنا عيوبنا وأخطاءنا دون تهوينٍ أو تأويل ، نكون أقدر على العفو والصفح والغفران ، هذا ما أعتقده.

أختم بلسان السجين المرحوم رفيق عزيز في تلك العتمة الباهرة الذي قال قبل وفاته في إحدى لحظات عبوديته الخالصة لله " أنا موجود لأصلّي لا لأُدين البشر "

الجمعة، 14 يوليو 2017

قراءة الإنسان






أبدأ بشكري للأستاذ عويّد السبيعي الذي استعنتُ مرة بمقطع له على " اليوتيوب " يتحدّث فيه عن تجربته مع  القراءة وكيف غيرت أفكاره وختمه بعبارة " القراءة أولاً ثمّ باقي تفاصيل الحياة " فعرضتُه على فتيات في المرحلة المتوسطة إثر برنامج آكام2 الذي قدمناه أنا وصديقاتي بهدف
"التوعية بمسارات بناء الحياة المتوازنة في مختلف المجالات بطرق عملية لاستغلال الطاقات وتوجيهها".
أشكره لأنّه جعل عبارة كالقراءة أولاً ثمّ باقي تفاصيل الحياة ،تعلق في ذهن فتاة في هذا السنّ لتسجلها بحماسة ضمن ورقة تقييم لقاء المجال الثقافي في آكام تحت بند " أهمّ المعارف التي اكتسبتها "
وعدتُ بذاكرتي إلى ما قبل الست إلى السبع سنواتٍ ، حين كنتُ بعمرهنّ ولم أكن أعرف عن القراءة سوى أنّها سمة المثقفين وكثيري الاطلاع هذا المعنى الجافّ، اليبس ،  الذي يحمل في طيّاته بعض الاستعلاء أو هكذا أشعر ، حتى أنني بسببه  اعتقدتُ حينها أنّ آخر ما يمكن أن أجيد فعله في حياتي هو القراءة ، فما حيلتي وأنا أنظر إلى كتاب من 150 صفحة وأفكّر من أين سأجد نفسًا طويلاً يساعدني على قراءة هذه الصفحات كلها ؟ ثمّ من أين لي بعقل مستنيرٍ يستوعبها كلها ؟ ثمّ من أين لي بوقتٍ يجعل من هذه العملية الثقيلة عادة ممتعة ومتنامية ؟ أعتقد أن تلك كانت أحد مخاوفي التي منعتني من ممارسة القراءة في سن مبكرة ، فلا توهنوا همم الأطفال الخصبة ، الطريّة بمثل هذه المعاني التي لن تثمر فيهم ولن تؤتي أكلها ، لا ترهقوهم بتلك العبارات الرنانة ذات القامات الشاهقة التي لن يفلحوا في الوصول إليها ، بل إنها تفوق حتّى أكثر أحلامهم عذوبة وعلوًا.
وبرغم أني بدأتُ القراءة بمعناها اليبس متأخرًا في بدايات المرحلة الثانوية طلبًا للثقافة وسعة الاطلاع، إلاّ أنّ القراءة انتصرت عليّ مؤخرًا حينما بثت نفسها فيّ بمعناها الحيّ ، عندما جعلتني أطرق أبواب المحاولات دأبًا ، فتارة أحاول قراءة نفسي وتارة أحاول قراءة الآخرين،  في الحقيقة كثيرًا ما حاولتُ قراءة الإنسان بتواطؤ ضمني بين تخصصي وفعل القراءة هذه العلاقة ذات الخيوط الوثيقة الرفيعة التي اكتشفتها أخيرًا، حيث صرتُ أبحث عن الإنسان خلف الوجوه والتجارب أبحث عن أسراره وأسبابه وحكاياه أبحث عنه عميقًا وبعيدًا ، أبعد من رمق نظره وأعمق من ملامح وجهه .
 لا أنكر أني تطلعتُ لمشابهة المرآة التي وصفها الأستاذ حجي جابر في روايته الأخيرة لُعبةُ المغزِل حين قال "لا أحد ينظر في المرآة لذاتها فالكل يبحث عن ذاته فيها ، عن صورته الصادقة.
لكن هل هذا أقصى ما تستطيعه المرآة ؟
ماذا لو كان بمقدورها أن تعرّي دواخلنا كما تفعل مع ملامحنا الظاهرة ؟ أن تكشف ما نخبئه تحت جلودنا ؟ ما نخبئه عن أنفسنا قبل الآخرين ؟ هل سيستمر تصالحنا المريح معها ؟"
وينتهي هنا ، لكن هناك تتمة لهذا المقطع طرقت رأسي كثيرًا فسجلتها على الهامش :
ماذا لو امتلكت المرآة القدرة على تقبلنا كما نحن والتماس الأعذار لنا دائمًا حتى بعد أن نفتضح أمامها ؟ ماذا لو كان بمقدورها أن لا تقع في فخاخ توقعاتها عنّا لتقولبنا وتنمذجنا كيفما شاءت وألا تحاسبنا على هذه التوقعات أو خيباتها فينا على إثرها ؟ هل سنمتلك خيارًا آخر غير التصالح معها عندئذ ؟
لا أعتقد.
فعلاً أغرتني هذه المرآة لمشابهتها ، ما أغراني أكثر أنها تمتلك كثيرًا من مقوّمات الأخصائي الاجتماعي
الذي يمثل مهنة الخدمة الاجتماعية وهذا هو التواطؤ الذي قصدته بين تخصصي وفعل القراءة ، هل هذا يعني أني إن كنت هذه المرآة التي تجيد فعل قراءة الإنسان على هذه الشاكلة فسأكون أخصائية اجتماعية جيّدة ولو إلى حدٍ ما ؟ نعم أعتقد.
فالبحث في الأسباب والحفاظ على الأسرار وتقبل الإنسان جملة وتفصيلاً هي مبادئ أساسية في تخصصي.
ثمّ ونحن نمارس فعل القراءة يتوهم من يظن أننا نتعامل مع نصوصٍ مجرّدة إننا أيضًا نتعامل مع الإنسان وأسراره وأسبابه وحكاياه لكنها مدسوسة ، تختبئ خلف بساط الكلمات وجذوع الجمل و العبارات ، وأيّما فاعلية تلك لمن يتقن لعبة الغميضة حين يقرأ ، ليكشف عنها.
يقول الأستاذ حجي جابر في روايته لُعبة المغزل مرة ثانية على لسان الجدة الحكواتية قائلة لحفيدتها"
" الحكايات لا تأتي من الخارج ، حتى لو كانت تخصّ آخرين وإننا حين نشعر بنضوبها ، يكون داخلنا هو الذي توقف عن رؤية الأشياء بطريقة مختلفة "
أعتقد أنّه اعترافُ ضمني من الكاتب بأنّ كل كتاب هو جزء من تجربة ما أو رؤية ما لكاتبه ، وبهذا الاعتراف أجد أنني مدفوعة لممارسة فعل القراءة بشغف وانتباهٍ أكبر ، بحثًا عن الإنسان وأسراره وحكاياه
هل أصبح التواطؤ بين القراءة وتخصصي صريحًا الآن ؟!
أخيرًا أهنئ الجميلة التي علقت في ورقة تقييم لقاء المجال الثقافي بعبارة "أشعر بعد هذا اللقاء أني بحاجة إلى زيادة وقت القراءة"  لأنها سبقتني في سنها باكتشاف سر القراءة كحاجة وضرورة.
أهنؤها ثانية لأني بما التمستُ منها من علاقة واعية بينها وبين القراءة أستطيع التنبؤ بأنها ستكتشف مبكرًا عندما تكبر قليلاً بأننا تجاوزنا مرحلة الحديث عن أهمية القراءة
وأنّ عليها حينئذ أن تجد الطريق الذي تجيب من خلاله عن سؤاليّ ماذا ستقرأ ؟ وكيف تقرأ ؟
لأنّ العمق الكامن خلف هذين السؤالين هو الذي يمنح فعل القراءة حيويته وفاعليّته.

وأنا اخترت قراءة الإنسان حيثما أجده.