أتأسّى باللغةِ حينَ أقرَأ الأدبَ وأصغِي للقَصِيدة.

السبت، 5 أغسطس 2017

أثقلُ من رضوى !


أنهيت رابع تجربة قرائية لي في رمضان بكتاب " أثقلُ من رضوى " سيرة ذاتية للروائية المصرية والأكاديمية رضوى عاشور – رحمها الله – زوجة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي ، أعتقد عندما قلتُ مريد اتضحت العلاقة بين هذين الانتقائيين هذه القراءة والقراءة السابقة لي لرأيتُ رام الله ، نعم كانت أحد دوافعي لانتقاء الكتابين هو التعرّف على هذه العائلة المثقفة التي لكل فرد فيها باعٌ في الكتابة والأدب الأم والأب وابنهما بعد رؤيتي لمقطع على اليوتيوب يجمعهم جميعًا ، أخذتني خيالاتي حينها لرسم صورة جذّابة حول ثراء الحياة التي تعيشها عائلة كهذه ، ما أشهى لقاءاتهم وأمتع أحاديثهم وأوسع آفاقهم ، ما كمّ المتعة التي يستيقظون على إثرها كل صباح لبدء يوم لا يخلو من بصيرة حصيفة تتعاملُ مع الحياة بعمقٍ لا يتأتّى للمنشغلين بها عنها. كيف يخططون للعناية بمكتبتهم ورعايتها وهي تكبر وتنمو ، كيف يتناقشون حول نتاجهم الأدبي بطريقة نقدية يكمل فيها كل رأي ، الرأي الآخر ، كيف و كيف وكيف ؟
وبعد أن مررتُ بهاتين التجربتين ، بدت لي سذاجة الأوهام والخيالات التي نسجتها ، لأنّ ترفًا كالذي تخيلته لم يكن ليتمخض أبدًا عما قرأته في عاطفة مريد والتمسته في عقل رضوى وحياتها ، ترفٌ كهذا لن تنجب ابنًا كتميم قطعًا.
سيرة رضوى التي قرأتها في مؤلفها " أثقلُ من رضوى " عصفت بارتيابي حول السير الذاتية وكتّابها.
كثيرًا ما تسآلت ، أي نرجسية تلك التي يمتلكها شخصُ يرى أنّ حياته أهلٌ لصياغتها بين دفتيّ كتاب شخص يؤمن بأحقية أن يكون عمره ، عمرًا مضافًا إلى أصحاب المكتبات وعشّاق القراءة ؟ ما الاختلاف الذي عاشه وأعطاه كل هذه الثقة ؟ ماذا يريد أن يقدّم ويقول لي كقارئة ؟
رضوى أجابت عن أسئلتي ببراعة تامة وبددت كلّ هواجسي حتى أنّي أفكر ما السيرة التالية التي يمكن لي قراءتها .
كاتبُ السيرة شخصٌ أكثر تواضعًا من مزاعمي السابقة ، شخصٌ ارتأى أن سلاحه الوحيد لمواجهة مخاوفه وتحديد مواقفه و التعبير عن خوالجه وفهم تجاربه هو الكتابة ، لأنه لا يتقن حرفة غيرها تقدّم له كل هذه المزايا ، مزايا تجعل الحياة أخفّ وطأة ، وأكثر بساطة و وضوحًا وأشدّ عمقًا.
حدثتني رضوى عن مصر كما لم أعرفها من قبل ، عن مدنها وشوارعها ومبانيها وجامعاتها ، رأيتُ بوضوح تلك الجامعات التي تخرّج منها دكاترتي في الجامعة ، لأنّ مصر هي الدول العربية الأولى التي درست الخدمة الاجتماعية في معاهدها وكلياتها ، فاستعانت جامعتي ببعض أبنائها وبناتها.
حدثتني رضوى عن شباب مصر  الذين ينامون في الشوارع في ميدان التحرير تحديدًا ، الذين ارتوت أراضي مصر بدمائهم وهم يقومون بمظاهرة ما ، أو ثورة ما ، أو احتجاج ما ، الذين يحبون مصر حدّ أن يفدوها بأرواحهم لتهنأ الأجيال القادمة مما حرموا هم منه ، كانوا يثورون ثأرًا لأنفسهم وتاريخهم ومستقبلهم وأرضهم ، لحياة كاملة يؤمنون تمامًا أن كل مصري يستحقها حتى وإن لم يحظوا هم بها.
تحدثت عن شخصيات شابة كثيرة ، عرفتها وأحببتها وأكبرتُ فيها كل تلك الجرأة والغيرة والخلق والعلم.
تحدثت عنها هي الأكاديمية في جامعة عين شمس في القاهرة في قسم آداب اللغة الإنجليزية ، التي شغلت بعلمها وفضائلها العديد من المناصب ، ثمّ حرمت بعضها بسبب تمسكها بمادئها وقيمها في وسط المحسوبية وتقديم المصالح الشخصية على حق الله وعباده و الواجب ، تحدثت عن نفسها وهي تواجه مرضًا نادرًا لا يصاب به إلا شخص واحد بين كل عشرة آلاف ، وتتغلب مرات عديدة عليه بفضل الله ثم دعم الأحبة حولها ، وقفت كثيرًا عند عبارة قالتها : " من يجرؤ على الرحيل في وجود كلّ هؤلاء الأصدقاء ؟ لا أحدّق طويلاً في الأمر ، أغضّ الطرف ، لا أملك تسليم القياد إلى عاطفة تفتح الباب لهشاشة أجاهد في نفيها " أرى بسالتك وهشاشتك في وقتٍ واحد يا رضوى.
الآن أتحدّث أنا عن رضوى ،وأسأل أين كانت تلك المرأة في خضمّ هذه الحياة وجلبتها ، زوج فلسطيني تجبره ظروفه للغياب عنها ما يقارب ال17 عامًا فوجدت نفسها تتصدى لمهمة تربية ابنهما البالغ من العمر 5 شهور فقط في وطنٍ جرحه ينكأ باستمرار بأيدي أبنائه ، ومع مرضٍ كان قدرها أن تكون هي الشخص المصاب به من بين 10 آلاف شخص وفي وظيفة تجاهد لأن تكون أهلا لها بقيمها ومبادئها ، ثمّ وفاة أخيها الأكبر تتبعه أمها بعد عدة أسابيع ، بماذا كنتِ تشعرين مع كل هذا يا رضوى ؟
أفهم دموعكِ المنسابة التي كابدتِ مرارًا لحبسها ولكنها رغمًا عنكِ تنهمر في حضرة زوجك وابنك دون أن تعرفي سببها فيحاولان مدفوعان بخوفهما عليك تهدأتكِ وتجاوز الأمر. كان لكِ أن تبكي.

كان لابدّ لرضوى أن تكتب سيرتها سأعبر لها عن شكري بالدعاء لها ، فقد أكسبتني بعدًا وعمقًا جديدًا لفهم الإنسان ومعرفة مصر ، ، والأهم أيقنت أنه لو كان احتمال تشابه الحيوات بين كل الناس واردًا لكانت أيضًا هناك فسحة للاختلاف في طرح السيرة ، فسحة تتحدد بعمق البصيرة والنضج الإنساني في فهم التجربة ، ومشاعرٍ كل شخص في كل موقف أو حادثة.
أخيرًا  سألتُ  نفسي ما الذي آلمني أكثر ؟ هل انتهاك الإنسانية في وطنٍ على يد أعدائه أو انتهاكها في وطنٍ على يد أبنائه ؟ ما الموجع أكثر الجرح الذي يخلفه العدو ؟ أو ابن الوطن ؟

الخميس، 27 يوليو 2017

مرحلة المقابلات الشخصية في أقرأ 2017



كانت ساعة واحدة فقط ، ساعة سريعة ومدهشة ، لم تكفني لأتلمس كل شيء لأتأكد من حقيقيته ، اكتفيتُ بامتصاصه عبر بصري وها أنا أكتب مستعينة بما علق في ذاكرتي البصرية التي لا زلتُ أسألها إلى الآن هل كان كل ذلك واقعًا ؟
بدأ الأمر منذ اتصال مشرفة المسابقة على هاتفي المحمول لتهنئتي بترشيحي إلى المرحلة الثانية من مسابقة أقرأ 2017، وإعلامي بموعد ومكان عقد المقابلات الشخصية ، باستثناء السعادة اللحظية التي شعرتُ بها عند تهنئتها ، بعد ذلك غدا كل شيء عاديًا ولم آبه كثيرًا ، إلى أن جاءت ليلة الذهاب إلى المقابلة التي لم أشعر فيها بأي نوع من الحماسة أو الاهتمام ففكرتُ وعلام خوض تجربة أبدي تجاهها هذا الكم من اللامبالاة ! وبين شدّ الأفكار وجذبها ، قررتُ الذهاب بتلقائية تامة ، وحين وصلتُ إلى الفندق واستقبلنا أحد الأعضاء القائمين على المسابقة ، وأعلمنا بضرورة توقيع بعض التعهدات ، حينها فقط بدأت مشاعر الحماسة تجاه تجربة جديدة ثرية بالتدفق داخلي ،وكأن لامبالاة الأمس كانت قرارًا اتخذته لأحتفظ بكلّ مشاعري إلى وقت خوض التجربة حتى لا أستنفذها وتحضر كاملة، صعدنا إلى الأعلى أنا وباقي المرشحات مع إحدى المشرفات ، وجّهتنا لدخول غرفة امتلأت بالمشتركين والمشتركات في حضرة مشتركتين لهما تجربتهما السابقة في المواسم المنصرمة من المسابقة ، حيث أنهما كانتا تطرحان بعض الأمثلة للأسئلة التي يمكن أن تُطرح علينا ، وتشرحان مراحل المسابقة مما خفف التوتر البادي على وجوه الجميع ، وأثناء الانتظار تعرّفت على أحلام المشتركة التي كانت بجانبي والتي جمعتني بها صدفة أن نكون من نفس الجامعة ونفس الكليّة وهذا الخيط من الانتماء إلى مكان واحد سرّع حضور الألفة بيننا وتداول بعض الأحاديث وتشارك شرب " الكابتشينو " إلى حين حضور المشرفة مجددًا باحثة عني ، أصالة ؟ أين أصالة ؟ نعم إنها اللحظات التي يشكل فيها وقع اسمي على أذنيّ جرس إنذار يؤذن بقرب ساعة الصفر والإثارة.
ذهبتُ معها وقبل دخولي إلى غرفة ثانية سألتني أمستعدة ؟ فقلتُ لها كمن أمضت ليلتها كاملة في الاستعداد لهذه اللحظة – ولم أفعل ذلك طبعًا – نعم مستعدة ، فتحت لي الباب ، دخلتُ ، انبثق النور وبدأ كل شيء ...
جلستُ على طاولة وكرسي في مقابل 4 أساتذة كرام من اليسار أستاذتين وأستاذين ، ومصورين أحدهما يستخدم " الكاميرا " الواقفة والآخر يلتقط الصور بين الفينة والأخرى ، وفي حين أنها كانت المرة الأولى التي أكون فيها القِبلة الوحيدة في حضرة " الكاميرا " أنا التي سمعتُ مرارًا عن رهبة تلك اللحظة وهذا التركيز القادم من عدساتها لم أكن منتبهة لها إلى هذا الحد في حضرة الحوار الماتع الذي كان قائمًا بيني وبين الأساتذة ، بدأت الأستاذة التي تجلس ثانيًا من اليسار في توجيه أول سؤال " عرّفي بنفسك يا أصالة وعلاقتك بالقراءة "
حضرت اللغة حضورًا يعرفُ مكانه جيّدًا ويحترم ميعاد حلوله ، عرّفتُ باسمي وتخصصي ومشاركتي التي استخدمتها في التسجيل في المسابقة ، وانتقائي لذاك الكتاب تحديدًا ، تحدّثتُ وتحدّثتُ حتى بان في حديثي ذاك الانتماء العميق لعائلة البرغوثي وكان هذا تعليقًا من أحد الأساتذة عليّ ، وفجأة وجدتني أتحدّث عن الشعر ، عمن أقرأ لهم بدأت بالشاعر السوداني محمد عبد الباري ، حينها فقط ومن نظرة الانتشاء الواضحة في عين آخر الأساتذة من اليمين أدركتُ أنه ذو أصول سودانية ، وكأنه كان يقول : نعم هذا ابننا.
وتحدّثت عن ابنهم وعن أحمد بخيت عن قصيدة مالم تقله زرقاء اليمامة للأول وعن قصيدة رام الله للثاني ، كانت بهجتي حاضرة بقوة في كل ذلك ، كنت أعيش أحد خيالاتي ، كم تمنيتُ أن أكون أحد المشاركين في مسابقات الشعر أو اللقاءات الثقافية المعروضة على شاشات التلفاز ، أن أكون في حضرة من يفهم اللغة والشعر وفلسفتي حول الإنسان والنصوص التي أقرؤها ، ويشاركني كل ذلك. هناك وفي ذاك الحوار حدث كلًّ هذا ، كانوا منتبهين إلي، يسمعون ويستمعون ويسألون ويبتسمون ويطرحون تعليقاتهم بلطفٍ تام ، لم أكن في حضرة التقييم وإنما في حضرة أحد الأحلام .
سُئلتُ عن :
-        مجالات قراءاتي.
-        مريد البرغوثي الذي كان حاضرًا في مؤلف أثقل من رضوى لزوجته رضوى – كونه الكتاب الذي شاركتُ به -.
-        رأيي في العلاقة بين النتاج الأدبي وبين صاحبه فيما إذا كان أحد الذين ينتهكون قيم السلام والإنسانية.
-        أقرأ شعر من ؟ ورأيي في أطروحات الشاعرين محمد عبد الباري وأحمد بخيت وإلقاء كل منهما للقصائد.
آخر سؤال بدر من الأستاذة التي كانت تجلس أولاً من اليمين قالت لي : بما التمستُ فيك من روح الكاتبة يا أًصالة هل تكتبين ؟
كان سؤالها محرجًا ومؤلمًا لكني أجبت :
لا أرى أني كاتبة وإنّما هي محاولات كتابة في مدونتي.
فسألت عن ماذا تكتبين ؟
فأجبتُ عن التجارب والكتب وما أستلهمه من كلٍ منهما.
قبل أن أخرج قدمت لي الأستاذة توصية بقراءة ديوان محمد عبد الباري الجديد ، وقدّم لي الأستاذ توصية بقراءة أطروحات أخرى لأحمد بخيت.

وفجأة انتهى كل شيء ، خرجتُ من الغرفة ، من المكان الكبير ، من الفندق ، بعد ساعة واحدة من الدهشة والبهجة اللتان أشعر بهما وأنا أكتبُ الآن ، لكن الشيء الوحيد الذي لمسته ومتأكدة منه هو وجود أحلام معي في غرفة الانتظار لأني صافحتها ، لم ألمس مقبض الباب الذي انبثق منه النور لأن المشرفة هي من فتحته لي ، لم ألمس الكاميرات التي جلستُ في حضرتها ، لم ألمس الأساتذة الكرام ، لم ألمس أسئلتهم وابتساماتهم ولطفهم ، فهل كانت تلك ساعة حقيقية في عمري ؟ مذكراتهم التذكارية هي ما سيثبت لي دائمًا أني خضتُ هذه التجربة فعلاً ، عامي الـ 21 لا زال يدهشني.

الجمعة، 21 يوليو 2017

السجن





كانت إحدى أهم وأمتع تجاربي الشخصية تجربة ذهابي إلى سجن النساء العام خلال الفصل الدراسي المنصرم لحضور حفل ختام أنشطة زميلاتي الأخصائيات الاجتماعيات المتدربات فيه ،  دخلتُ إليهِ وأنا مذهولةُ منه ، أتحسس المكان بفكري جيدًا ، أتمعن فيه وأحاول المقاربة بين الصور التي ارتسمت في مخيلتي  إثر قراءاتي في أدب السجون تارة وتارة أخرى إثر ما شاهدته في بعض المسلسلات التلفزيونية ، وأتسآل أي الصور أصدق وأكثر واقعية ؟ ما الفوارق ؟
بحثتُ عن الإنسان المسلوخ عن إنسانيته ، الإنسان الذي يُعامل كرقم ، زيادته بلاء ونقصانه خيرة ونعماء ، بحثتُ عنه هو المغتال في كرامته حدّ أنّ الترف الوحيد الذي يطاله هو الاعتراف بوجوده كرقمِ فقط ، هو ليس ابن أمه أو أبيه هو ليس ما كانه أو يكونه هو الرقم 1 أو 2 ، أو 3 حسب وقتِ وصوله إلى رحاب السجنِ.
بحثتُ أولاً عن قصة تشبه قصة عزيز الذي حكى عنه الطاهر بنجلّون في رواية تلك العتمة الباهرة أحد المعتقلين في سجن تزمامارت في صحراء المغرب البعيدة ، البعيدة.
قصة تشبه  قصته وقصص زملائه المعتقلين الذين كانوا يتساقطون واحدًا تلوَ الآخرِ من فرط الطعنات المتوالية على حقهم في الحياة ، بدءًا بالزنزانات الصغيرة التي يبلغ طولها 3 أمتار وعرضها مترٌ ونصف لها سقفٌ منخفض يتراوح ارتفاعه بين مثة وخمسين ومئة وستين سنتميترًا حيث لم يستطع عزيز حتى أن يقف فيه وفي أحد زوايا الزنزانة كانت حفرة التبوّل والتبرز – أكرمكم الله -  يقول عنها في الرواية "
كانت جزءًا من أجسادنا ، والأفضل أن نسارع إلى نسيان وجودها ، لكي نكف عن اشتمام روائح البراز والبول ، لكي نتوقف عن الشمّ إطلاقًا . ولكي نفعل لا ينبغي أن نسدّ أنوفنا . لا ، إطلاقًا بل ينبغي أن ندع أنوفنا مفتوحة ونتوقف عن الشم "
وفي مقطعٍ آخر " كان كل شيء محسوبًا بدقة ، إذ يحق لكلٍ منّا خمسة ليترات من الماء يوميًا.
من أوحى إليهم بهذا الرقم ؟ الأرجح أن أطباء قد أشاروا عليهم بذلك.وبأية حال ـ لم يكن الماء صالحًا للشربِ تمامًا. كنتُ أملك كرازًا من البلاستيك أسكب فيه الماء وأدعه يومًا كاملاً ليرسب وقد تجمعت في قعر الكراز طبقة من الوحل والقذارات.
توقفتُ أفكر في هذا المقطع محاولة استيعاب شناعة مكانٍ كهذا ، محاولة فهم سيكولوجية حرّاس المكان والقائمين عليه ، ففشلت.
وفي حين نقم عزيز على الظلام قائلاً في رواية تلك العتمة الباهرة " هناك أنماط للصمت في السجن وذكر منها الصمت الأشد قسوة والأشدّ وطأة ، كان صمتُ النور. صمتٌ نافذٌ ومتعدد.لحظات صمت النور ، غيابه المتمادي الذي لا ينتهي"
إذ يمجّد ظلام الليل في مكانٍ وزمانٍ مختلفين الدكتور أيمن العتّوم في تجربة سجنه التي حكاها في رواية ( يا صاحبيّ السجن) قائلاً " في الليل كنتُ أرى الأشياء بوضوحٍ أكثر، حرصتُ أن أعاين ذاتي في عتمة الليل؛ لأنها تتبدّى هناك جليّة بمراحل قياسًا على ما عداه... ، في الليل استعضتُ عن البصر بالبصيرة لأتلمس الدرب ، وحدها البصيرة لا تكذب ... فعندما تنظر بعيون القلب ترى الأشياء على حقيقتها "
أقفُ هنا أيضًا وأمعن في فهم العلاقة بين الليل والسجن والعزلة والصمت وبين هذا الاستجلاء والوضوح الكامل في الاستماع إلى الذات وفهمها ، أتذكر بعض اللحظات التي أمرّ فيها فأفكر مليًا بإمكانية الهرب إلى مكانٍ بعيد ، بعيدًا عن الناس وأصواتهم قريبًا جدًا مني في حضرة الصمت والعزلة.
ومع استحالة فكرة كهذه أقارب أكثر بين هذه الفكرة والحال التي أكون عليها في بعض أوقات عزلتي البسيطة ، فأفهمُ إلى أي مدى يمنحنا البعدُ عن الآخرين – حين تستوجب الضرورة أو نستجلبها – صفاءً نرى من خلاله أنفسنا بجلاء ونسمع صوتها الضائع في حضرة صخبهم بوضوح ، أفهم إلى مدى تمنحنا العزلة فرص الإصلاحِ والتشذيب لذواتنا وتطهير ما علق فيها من شوائب في غمرة وجودنا المستغرق مع الآخرين حولنا. أفهمُ أنّ السجين يمتلكِ ميزة يفتقدها الكثيرون ، فيكررون أخطاءهم ويقفون مكانهم ويجترون أفكارهم الباليّة بتكرار مشين.
خلال تجربتي في زيارة سجن النساء ، قدّر لي أن ألتقي بمجموعة من نزيلاته ، لم تفصل بيني وبينهنّ القيود والقضبان ، مشين أمامي ، وجلسن خلفي لحضور الحفل ، مررتُ بجانبِ إحداهن حين ذهبتُ لشرب الماء ، ابتسمت لي ، مدت إليّ كفها مصافحةً ، رددتُ الابتسامة ومددتُ كفّي.
حينها تأكدت لي قناعتي التي طالما فكرتُ فيها وناقشتُ أبي حولها فدافعتُ عن السجين كثيرًا ، دفاعًا لا يبرر فعلته ولا يسوّع جريمته ، دفاعًا يقرّ بإنسانيته فحسب. نعم يستحق العقاب وهذا حقّ الله ثمّ حقّ العباد.
لكنّه إنسان ، متأكدة أنه بذل ما في وسعه لئلاّ يصل إلى هنا ، حاول كثيرًا أن لا يتشوّه وألا يُدان.
لكن ضعفه أمام المال أو الانتقام أو أيًا ما كان ، هو ما ساقه إلى هنا ، لقد كان إنسانًا ضعيفًا طوّقته ظروف أهله أو أصحابه أو مجتمعه وإرادته كانت أضعف من أن تواجه وتقاوم.
وبالعقاب قد يتعلّم كيف يصبح أقوى ، وبإرادة أكثر مقاومة ، وممانعة ، هو إنسان معلول في نفسه والبعض في عقله وتفكيره، فالإنسان السليم المعافى لا يقدم على أيّ من ذلك ،وبنظري أنّ المعلول يستحق المساعدة ليشفى ويعود أفضل مما كان عليه.

أخيرًا لم يشبه السجن الذي زرته أيًا من تلك الصور لم يشبه سجن تلك العتمة الباهرة ولا سجن يا صاحبي السجن ، لكنه كان حقيقيًا و واقعيًا مثلهم ، وجدتُ فيه الإنسان المفجوع بنفسهِ أحيانًا والموجوع منها في أحايين أخرى ، وجدتُه هو الذي يمعن أخوه الإنسان في نكئ جرحه مرارًا وتكرارًا ، إن لم يكن داخل السجن ، فخارجه ، أينا يقدر أن يمنح السجين بعد خروجه من السجن فرصة ميلادٍ ثانية لولوجه إلى الحياة من جديد دون أن يقصيه عنها ؟ أينا يستطيع أن يمنحه فرصة أن يكون مرة أخرى ، جاره أو أخوه أو أبوه أو عمه أو خاله أو أمه أو ...   ؟ فرصة نقية خالصة لا تشوبها حتّى شائبة نظرات الريبة والإزدراء. في ماذا تفوقنا عليهم نحن الممتلؤون بالأخطاء الظاهر منها و الباطن ؟
في ماذا تفوّقنا عليهم إن كان البعض منهم أخطأ في حق العباد مرة ويخطئ البعض منّا في حقّ ربّ العباد مئات المرات ؟ بقدر صدق المرآة التي تعكس لنا عيوبنا وأخطاءنا دون تهوينٍ أو تأويل ، نكون أقدر على العفو والصفح والغفران ، هذا ما أعتقده.

أختم بلسان السجين المرحوم رفيق عزيز في تلك العتمة الباهرة الذي قال قبل وفاته في إحدى لحظات عبوديته الخالصة لله " أنا موجود لأصلّي لا لأُدين البشر "

الجمعة، 14 يوليو 2017

قراءة الإنسان






أبدأ بشكري للأستاذ عويّد السبيعي الذي استعنتُ مرة بمقطع له على " اليوتيوب " يتحدّث فيه عن تجربته مع  القراءة وكيف غيرت أفكاره وختمه بعبارة " القراءة أولاً ثمّ باقي تفاصيل الحياة " فعرضتُه على فتيات في المرحلة المتوسطة إثر برنامج آكام2 الذي قدمناه أنا وصديقاتي بهدف
"التوعية بمسارات بناء الحياة المتوازنة في مختلف المجالات بطرق عملية لاستغلال الطاقات وتوجيهها".
أشكره لأنّه جعل عبارة كالقراءة أولاً ثمّ باقي تفاصيل الحياة ،تعلق في ذهن فتاة في هذا السنّ لتسجلها بحماسة ضمن ورقة تقييم لقاء المجال الثقافي في آكام تحت بند " أهمّ المعارف التي اكتسبتها "
وعدتُ بذاكرتي إلى ما قبل الست إلى السبع سنواتٍ ، حين كنتُ بعمرهنّ ولم أكن أعرف عن القراءة سوى أنّها سمة المثقفين وكثيري الاطلاع هذا المعنى الجافّ، اليبس ،  الذي يحمل في طيّاته بعض الاستعلاء أو هكذا أشعر ، حتى أنني بسببه  اعتقدتُ حينها أنّ آخر ما يمكن أن أجيد فعله في حياتي هو القراءة ، فما حيلتي وأنا أنظر إلى كتاب من 150 صفحة وأفكّر من أين سأجد نفسًا طويلاً يساعدني على قراءة هذه الصفحات كلها ؟ ثمّ من أين لي بعقل مستنيرٍ يستوعبها كلها ؟ ثمّ من أين لي بوقتٍ يجعل من هذه العملية الثقيلة عادة ممتعة ومتنامية ؟ أعتقد أن تلك كانت أحد مخاوفي التي منعتني من ممارسة القراءة في سن مبكرة ، فلا توهنوا همم الأطفال الخصبة ، الطريّة بمثل هذه المعاني التي لن تثمر فيهم ولن تؤتي أكلها ، لا ترهقوهم بتلك العبارات الرنانة ذات القامات الشاهقة التي لن يفلحوا في الوصول إليها ، بل إنها تفوق حتّى أكثر أحلامهم عذوبة وعلوًا.
وبرغم أني بدأتُ القراءة بمعناها اليبس متأخرًا في بدايات المرحلة الثانوية طلبًا للثقافة وسعة الاطلاع، إلاّ أنّ القراءة انتصرت عليّ مؤخرًا حينما بثت نفسها فيّ بمعناها الحيّ ، عندما جعلتني أطرق أبواب المحاولات دأبًا ، فتارة أحاول قراءة نفسي وتارة أحاول قراءة الآخرين،  في الحقيقة كثيرًا ما حاولتُ قراءة الإنسان بتواطؤ ضمني بين تخصصي وفعل القراءة هذه العلاقة ذات الخيوط الوثيقة الرفيعة التي اكتشفتها أخيرًا، حيث صرتُ أبحث عن الإنسان خلف الوجوه والتجارب أبحث عن أسراره وأسبابه وحكاياه أبحث عنه عميقًا وبعيدًا ، أبعد من رمق نظره وأعمق من ملامح وجهه .
 لا أنكر أني تطلعتُ لمشابهة المرآة التي وصفها الأستاذ حجي جابر في روايته الأخيرة لُعبةُ المغزِل حين قال "لا أحد ينظر في المرآة لذاتها فالكل يبحث عن ذاته فيها ، عن صورته الصادقة.
لكن هل هذا أقصى ما تستطيعه المرآة ؟
ماذا لو كان بمقدورها أن تعرّي دواخلنا كما تفعل مع ملامحنا الظاهرة ؟ أن تكشف ما نخبئه تحت جلودنا ؟ ما نخبئه عن أنفسنا قبل الآخرين ؟ هل سيستمر تصالحنا المريح معها ؟"
وينتهي هنا ، لكن هناك تتمة لهذا المقطع طرقت رأسي كثيرًا فسجلتها على الهامش :
ماذا لو امتلكت المرآة القدرة على تقبلنا كما نحن والتماس الأعذار لنا دائمًا حتى بعد أن نفتضح أمامها ؟ ماذا لو كان بمقدورها أن لا تقع في فخاخ توقعاتها عنّا لتقولبنا وتنمذجنا كيفما شاءت وألا تحاسبنا على هذه التوقعات أو خيباتها فينا على إثرها ؟ هل سنمتلك خيارًا آخر غير التصالح معها عندئذ ؟
لا أعتقد.
فعلاً أغرتني هذه المرآة لمشابهتها ، ما أغراني أكثر أنها تمتلك كثيرًا من مقوّمات الأخصائي الاجتماعي
الذي يمثل مهنة الخدمة الاجتماعية وهذا هو التواطؤ الذي قصدته بين تخصصي وفعل القراءة ، هل هذا يعني أني إن كنت هذه المرآة التي تجيد فعل قراءة الإنسان على هذه الشاكلة فسأكون أخصائية اجتماعية جيّدة ولو إلى حدٍ ما ؟ نعم أعتقد.
فالبحث في الأسباب والحفاظ على الأسرار وتقبل الإنسان جملة وتفصيلاً هي مبادئ أساسية في تخصصي.
ثمّ ونحن نمارس فعل القراءة يتوهم من يظن أننا نتعامل مع نصوصٍ مجرّدة إننا أيضًا نتعامل مع الإنسان وأسراره وأسبابه وحكاياه لكنها مدسوسة ، تختبئ خلف بساط الكلمات وجذوع الجمل و العبارات ، وأيّما فاعلية تلك لمن يتقن لعبة الغميضة حين يقرأ ، ليكشف عنها.
يقول الأستاذ حجي جابر في روايته لُعبة المغزل مرة ثانية على لسان الجدة الحكواتية قائلة لحفيدتها"
" الحكايات لا تأتي من الخارج ، حتى لو كانت تخصّ آخرين وإننا حين نشعر بنضوبها ، يكون داخلنا هو الذي توقف عن رؤية الأشياء بطريقة مختلفة "
أعتقد أنّه اعترافُ ضمني من الكاتب بأنّ كل كتاب هو جزء من تجربة ما أو رؤية ما لكاتبه ، وبهذا الاعتراف أجد أنني مدفوعة لممارسة فعل القراءة بشغف وانتباهٍ أكبر ، بحثًا عن الإنسان وأسراره وحكاياه
هل أصبح التواطؤ بين القراءة وتخصصي صريحًا الآن ؟!
أخيرًا أهنئ الجميلة التي علقت في ورقة تقييم لقاء المجال الثقافي بعبارة "أشعر بعد هذا اللقاء أني بحاجة إلى زيادة وقت القراءة"  لأنها سبقتني في سنها باكتشاف سر القراءة كحاجة وضرورة.
أهنؤها ثانية لأني بما التمستُ منها من علاقة واعية بينها وبين القراءة أستطيع التنبؤ بأنها ستكتشف مبكرًا عندما تكبر قليلاً بأننا تجاوزنا مرحلة الحديث عن أهمية القراءة
وأنّ عليها حينئذ أن تجد الطريق الذي تجيب من خلاله عن سؤاليّ ماذا ستقرأ ؟ وكيف تقرأ ؟
لأنّ العمق الكامن خلف هذين السؤالين هو الذي يمنح فعل القراءة حيويته وفاعليّته.

وأنا اخترت قراءة الإنسان حيثما أجده. 

الخميس، 15 يونيو 2017

" ثورة الفكر على نفسه "








شهر مبارك علينا وعليكم وتقبل الله منّا ومنكم صالح النوايا والأعمال
يأتي رمضان كل عامٍ مزهوًا بتفاصيله ولقاءاتنا العائلية وعاداتنا فيه كلّ حسب أسرته وبيئه ومجتمعه ، فنجد في كل بيت قصة وعلى كل مائدة تفضيلٌ لوجبة وعلى الوجوه أنسٌ يحتفظ بأسرار الروحانية التي يبثها رمضان فينا.
وبشكلٍ شخصي أصنع لنفسي نظامًا خاصًا يسهل الالتزام به في ظلّ قلة الارتباطات الاجتماعية في رمضان ، نظامًا أخرج منه ببعض التحسينات والإصلاحات الذاتيّة بعد توفيق الله.
ومما أعمل عليه هو محاولة التعاطي مع فعل القراءة بوعيٍ وانتباهٍ أكثر يفوق ما يكون لي معه سواء أيام الدراسة أو في باقي أيّام الإجازة المتعددة في ارتباطاتها و واجباتها العائلية أو الاجتماعية  ، حيث تكون النفس في رمضان في حالة من حالات سكينتها والقلب في حالة من حالات انشراحه وطمأنينته والعقل في حالة من حالات هدوئه وراحته.
وعلى إثر ذلك يكون الفعل القرائي بالنسبة لي أكثر فاعليّة ، وقد بدأت إجازتي ورمضاني هذا العام بقراءة كتابٍ ممتع في مجال الثقافة والفكر وهو كتاب ( أوهام النخبة ، أو نقد المثقف ) لكاتبه الدكتور  علي حرب.
تناول الكتاب العديد من الأفكار والمحاور أذكر منها على سبيل المثال هنا :
فكرته الرئيسة القائمة على نقد دور المثقف الفاقد لفاعليته اليوم بكونه قائد دفّة التغيير وراسم أحلام المجتمعات للنهضة والتقدم لأنّه وصل لمرحلة من التنظير تعالى فيها عن الحقيقة و واقع المجتمعات الفعلي فتراجع دوره ولم تؤتي دعواه وشعاراته ثمارها المرجوة.
ويعزو هذه الحالة من انحسار الفاعلية أو عدم الوصول للنتائج والغايات المرجوة لمجموعة من الأوهام التي تملأ عقول المثقفين عن أنفسهم على نحوٍ جعلهم يظنون أنهم المنقذون المنتظرون الذين يقدمون أفكارًا وقراءاتِ يقينية للواقع غير قابلة للنقد أو الرفض أو التأويل ، بدعوى أنّهم نخبة المجتمع وطليعة الجماهير.
وهذه الأوهام هي خمسة أوهام كما ذكرها الدكتور علي حرب ( وهم النخبة ، وهم الحرية ، وهم الهوية ، وهم المطابقة ، وهم الحداثة ) ولا يسعني المجال هنا للتفصيل فيها حيث أني أذكر إجمال المضمون ، ويمكن الرجوع إلى مقالات الدكتور عبر الشبكة العنكبوتية أو إلى نفس الكتاب للاطلاع على تفصيلاتها.
وأنا هنا لم أوافق الكاتب ولم أعارضه في جملة ما ذكره بقدر ما اعتبرتُ هذه التجربة القرائية إحدى العتبات في سبيل الارتقاء بفهمي لرؤى المفكرين والمثقفين في فهمهم للأوضاع المجتمعية وقراءتهم لها وطريقة تعاملهم معها على مستوى أطروحاتهم ونتاجاتهم.
ومع ذلك يستحق هذا الكتاب إشادتي بثراء مضمونه ومنطق تحليله وتميّز منهجيّة طرحه ، حيث أن أكثر ما يهمني عند قراءتي في مجال الثقافة والفكر هو التقائي بكتبٍ تنير لي مناطق جديدة لم أتطرق إليها لا بتجربة قرائية أو حياتية سابقة  ولا بالتفكير أو التأمّل ، أو التقائي بكتبِ تقدّم لي منهجية تفكيرٍ مختلفة في تعاملي مع الأفكار والآخرين ومعطيات الحياة عمومًا.
وقد وجدت كلتيّ ضالتيّ في هذا الكتاب وخاصة منهجية التفكير التي دعا إليها تحت مفهوم نقد الذات أو الثورة الفكريّة ، حيث أننا كثيرًا ما نتعامل مع نقد الذات على مستوى نقاط قوتنا وضعفنا في مهاراتنا وإمكانياتنا فحسب ، فوجدتُ الدكتور علي هنا يؤكد على نقد الذات من منطلق الثورة الفكرية فيعبّر عنها بكونها ثورة الفكر على ذاته.
ويقول : الإنسان يغيّر أفكاره فيما هو يصنع العالم ، ويعدّل مقاصده فيما هو يسعى نحو أهدافه ، ويخرج على خططه فيما هو يعمل على تنفيذها. من هنا لا أفكار موضوعية مطابقة ولا نظريات تطبيقية جاهزة. ثمة شيء يختلف عن ذاته باستمرار ، باختلاف أنظمة العلاقات ومنظومة التواصل ، أو باختلاف المعالجات الفكريّة والممارسات الميدانية.
قرأتُ المقطع السابق تحديدًا بأكثر من وجه ، وجه أطللت منه على مقصوده فيما يتمّ معنى قضايا الكتاب وأفكاره و وجهٌ آخر أطلّ منه على حياتي وتجربتي الشخصية.
فأنا شخصية دائمة الثورة على أفكارها ولكني أسمّي هذه الحالة بالعادة " فوضى الأفكار " حيث أني بعد مرور فترات معينة في حياتي ومع تراكم المواقف والتجارب الحياتية واتساع نطاق علاقاتي أجد أني في حاجة ملحّة لأثور على بعض القناعات وأعيد تشكيل بنيتي الفكرية مع ثبات مبادئي وقيمي بالطبع ولكن في ذات الحين أحاول استيعاب التغيّر المستمر للظروف وللشخصيات والعلاقات والمواقف من حولي ، من خلال نقدي لتعاملي مع كلٍ منها بدءًا فيما أعتقده تجاهها مرورًا بما حدث فعلاً وانتهاءً فيما يجب أن تكون عليه شكل قناعاتي بعد هذه الثورة تأكيدًا أو تغييرًا أو تعديلاً و تهذيبًا ، والحقيقة أنّ هذه الفترة تعيث بسلامي مع نفسي فسادًا كثيرًا ، لكني أخرج منها بنضجٍ أكثر و وعيٍ أعمق وتقبلٍ أكبر لتلك الظروف واختلاف العلاقات وتنوّع الشخصيّات حولي ، مما يحسّن أدائي في تجاربي وتفاعلي مع علاقاتي استنادًا على ما ألحظه من نتائج فيما بعد.

وأخيرًا أقول أني خرجت من تجربتي القرائية لأوهام النخبة وأنا شبه مطمئنة إلى علاقتي النقدية مع ذاتي وثورة الأفكار التي تجتاحني من فترة إلى أخرى لأعلن فيها حاجتي إلى تجديد بعض مفاهيمي أو معالجة بعض قناعاتي ومنطلقاتي الفكريّة وكما أقول دائمًا أنّ كل تجربة مهما اختلف مجالها هي بالضرورة فرصة مواتية للنمو وها هي إحدى تجاربي القرائية تؤكد لي على ذلك.

الجمعة، 19 أغسطس 2016

قيمة التعلم الذاتي


نتيجة بحث الصور عن التعلم الذاتي


إحدى أهم النصائح التي طالما وجهها لي والدي حضًا على التميز والتفوق هي : أن تكوني الأفضل والأكثر تميزّا فهذا يعني أن تكوني الأسبق بخطوة أن تقرئي أكثر ، أن تتعلمي أكثر ، أن تعرفي أكثر ، أن تجربي أكثر وهذا حتمًا ما سيضمن لك التفوق على أقرانك دائمًا.
وبينما أحاول التشبث بأعقاب هذه النصيحة أجد أن مفادها هي أن أكتسب
(  قيمة التعلم الذاتي )
اليوم أصبح لهذا المفهوم الكثير من المرادفات المؤدية لنفس الغايات والأهداف كالتعلم المستمر والتحسين أو التطوير المستمر واستراتيجيتي الكايزن والكايكاكو اليابانيتين.
وعندما نتحدث عن هذه القيمة فهذا لا يعني أننا نبحث عن انتسابك لأحد الجامعات الأكاديمية أو المؤسسات التربوية ولا عن رصيد دوراتك التدريبية مع الأخذ بأهمية كلٍ منها ، لكن اتساع أفق العالم ومعلوماته اليوم وهذه السرعة الهائلة التي تدور بها عقارب الزمن تجعل الغد أقرب من يومنا والأمس ، فما هي العدة وما هو العتاد الذي سيؤهلنا لمجابهة المستقبل بكل كفاءة غير أن نستبق الحصول على أدواته ونتملك القدرة على الأخذ بزمام سرعته وتقدمه.
ونجد أن أهمية هذه القيمة تحرّضنا على طرق أبواب أسئلة من قبيل ، ما كمّ المعارف والمهارات التي تمتلكها ؟ وكيف اكتسبتها ؟ وهل استثمرت كافّة الموارد المتاحة لك لأجل هذه العمليّة ؟  ما الميزة الفارقة بينك وبين شخص آخر يمتلك نفس مؤهلاتك العلمية ؟ ما رصيد الفرص التي تمتلكها بناءً على خبراتك ومؤهلاتك ؟
وإذا ما فتشنا قليلاً في موارد هذه العملية سنجد الشبكة المعلوماتية زاخرة بها ، فمنصات التعلم الالكترونية اليوم تتنوع بها مجالات التعليم وترتفع كفاءة المواد التعليمية المقدمة من قبل أكاديميين ومختصين في مجالاتهم.
نبحث أيضًا في قدرة المكتبات على تغذية هذه العملية بشكلٍ منهجي نظري أحيانًا وبشكل تطبيقي عملي في أحايين أخرى ، عمومًا لا نختلف في أهمية الكتاب لإثراء المعرفة وتهذيب المعلومة.
شخصيًا أؤكد كثيرًا على دور التجربة في تعزيز قيمة التعلم الذاتي.
فالممارسة العملية قادرة وبشكل مباشر على تعزيز الكثير من المهارات واكتساب العديد من القدرات بشكل يدعم ثقة الشخص في ذاته ويحفزه لاكتشاف مناطق قوة أو ضعف مختلفة لديه.
في أحد مراحل حياتنا التي لا يحددها عمر معين بقدر ما يحددها الوعي والنضج وفهم الذات الذي وصلنا إليه ، علينا طرق كافة الأبواب وتعلّم كل ما يمكننا تعلمه أو معرفته وخوض كل تجربة جديدة قادرة على إثرائنا وزيادة قيمتنا الذاتية ، لأن قيمة التعلم الذاتي والتطوير المستمر توفر لنا فرصة لاكتشاف الذات ومعرفة مكامن القوة أو الضعف فيها مما يجعلنا قادرين على التعامل مع خيارات الحياة بشكل أفضل.
لكن بعد ذلك تكون الخطوة الأهم هي التركيز فيما وصلنا إليه والتخصص في المجالات التي ارتأرينا أنفسنا فيها عبر مرآة الخبرة والمعرفة والفهم.
لننتقل من مرحلة التعلم الذاتي العام إلى التعلم الذاتي المتخصص الذي يقربنا من أهدافنا بشكل سليم وناضج ويجعلنا أكثر تميزّا.
#ملاحظة
 استراتيجية الكايزن والكايكاكو يتم استخدامهما في مجال العمل وليس بشكل شخصي كالتعلم الذاتي لكن تهدفان لذات الغاية والفرق بينهما يكمن في حجم التغيير والتحسين فالتغيير الطفيف البسيط ( كايزن ) والتغيير الجذري ( كايكاكو ) ويمكن لكم البحث عن مفهوم كل منهما عبر محركات البحث .
دمتم بخير.

الأحد، 24 يوليو 2016

عن الخدمة الاجتماعية



" أصالة كنبيجه : خريجة 2018 من قسم الخدمة الاجتماعية بجامعة أم القرى"


أهلاً وسهلاً بالمستجدات.
أولاً : أبارك لك قبولك في تخصصٍ ممتع وثري كالخدمة الاجتماعية.

ثانيًا أؤكد لكِ كمستجدة بأنّك موعودة بالتجارب التي ستغيّر فيكِ الكثير بدءًا بتقييمك ونظرتك للحياة وعلاقاتك الاجتماعية وأدوارك ومرورًا بصقل شخصيتك وزيادة مواردكِ المعرفية وإمكاناتكِ وقدراتك وانتهاءً بالتدريب الميداني الذي سيكسبك مهارة توظيف كلّ ما تعلمته في ميدان التطبيق وعلى أرض الواقع.

أبدأ الآن بتعريفك بتخصص الخدمة الاجتماعية :


تخصص يقوم على قاعدة عريضة من العلوم الإنسانية كعلمي الاجتماع و النفس ويستند أيضًا على نتاج البحوث العلمية وخبرات الممارسين العملية وتستهدف الخدمة الاجتماعية تنمية قدرات الإنسان وإمكاناته في إطار موارد المجتمع والبيئة التي يكون فيها بالإضافة إلى مساعدته على مواجهة المشكلات التي يتعرّض لها نتيجة قصور معارفه وموارده الذاتية أو نتيجة عدم التوافق الاجتماعي والنفسي الذي يعيشه ، أيضًا يُعنى بوقاية الإنسان من حدوث المشكلات أو الحد من تفاقمها.
 وتتغذى الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية على مجموعة من القيم والمبادئ والمعايير التي تسعى إلى خدمة الإنسان آخذة كرامته وفرديته وحريته في عين الاعتبار.


المسمى الوظيفي لخريجي هذا التخصص
( الأخصائيين الاجتماعيين / الأخصائيات الاجتماعيات )
ويتخرج طالب البكالوريوس في الخدمة الاجتماعية كممارس عام غير متخصص في أي طريقة من طرق المهنة ولا مجالاتها كما سأورد ذكرها.

واتجاه الممارسة العامة في الخدمة الاجتماعية هو اتجاه حديث مقارنة بوقت ظهور المهنة ويجعل من الأخصائي مُمارسًا مؤهلاُ للتعامل مع كافة الأنساق ( فرد ، أسرة ، جماعة ، منظمة ، مجتمع محلي ، مجتمع وطني ، مجتمع عالمي ـ باستخدام مداخل ونماذج وقائية وعلاجية وتنموية في أي مجال من مجالات ممارسة الخدمة الاجتماعية مع الأخذ في الاعتبار المؤسسة التي يمارس الأخصائي عمله فيها والمشكلة التي يتعامل معها وفئات السكان المعرضون للخطر " تعريف د.أحمد السنهوري للمارسة العامة – بتصرف "


وللخدمة الاجتماعية طرق أساسية في التعامل المهني و طرق مساندة أخرى وفي الخطة الدراسية لجامعة أم القرى هناك مقررات مستقلة لكل طريقة أذكر هنا بعضها.

-        خدمة الفرد : تُعنى بمساعدة الأفراد في مختلف مجالات الخدمة الاجتماعية على مواجهة مشكلاتهم التي تعوق تحقيقهم لأداء أدوارهم الاجتماعية أو تؤثر سلبًا في تلك الأدوار.
-        خدمة الجماعة : تُعنى بمساعدة الجماعات المكونة من عدد من الأعضاء على النمو الاجتماعي والتغيير الإيجابي في الأفكار والاتجاهات والسلوكيات في إطار الجماعة بكونها وحدة مهمة يحتاج الإنسان إلى التواجد فيها ولها انعكساتها وتأثيراتها المتبادلة عليه.
-        تنظيم المجتمع :تُعنى بالتنمية الاجتماعية للمجتمعات على مستوى محلي / قومي / إقليمي من خلال تلمس احتياجات تلك المجتمعات وأهدافها وترتيبها حسب أولويتها وإذكاء الرغبة لدى المواطنين من أجل مقابلة هذه الاحتياجات وإشباعها وفي ذلك تحقيق للتضامن والتعاون بين المواطنين وتنمية لحس المسؤولية الاجتماعية لديهم تجاه مجتمعاتهم وتدعيم الثقة بإمكانية التغيير للأفضل دائمًا والتعامل مع المنظمات الموجودة في المجتمع لتسهيل عملية تبادل الموارد فيما بينها ومنع الازدواج في تقديم الخدمات لأفراد المجتمع .
-        البحوث الاجتماعية : طريقة تستهدف جمع الحقائق عن مختلف الظواهر الاجتماعية لأجل فهمها ومعرفة مسبباتها واختيار الطريقة المثلى للتحكم فيها من قِبل المختصين.
-        إدارة المؤسسات الاجتماعية: طريقة علمية لتحقيق أهداف جهاز إداري في مجال اجتماعي معين من خلال التخطيط والتنظيم والتوظيف والتوجيه والتنسيق والتسجيل والتمويل.


أما بخصوص مجالات الخدمة الاجتماعية وهي كذلك لها مقررات مستقلة في الخطة الدراسية لجامعة أم القرى :
-         المجال الطبي – المستشفى / مراكز صحيّة - ( أخصائي اجتماعي طبي )
-        المجال النفسي
-         المجال التعليمي ( أخصائي اجتماعي مدرسي / مرشد طلابي )
-        المجال الاجتماعي أو مجال الرعاية الاجتماعية ( مجال رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة – مجال رعاية المسنين –  مجال رعاية الشباب - مجال رعاية الأيتام – الضمان الاجتماعي – مراكز التنمية الاجتماعية – مراكز الحماية – السجون والمؤسسات الاصلاحيّة – رعاية الأسرة والطفولة )
-        أخصائي مسؤولية الاجتماعية في قطاعات خاصة أو حكومية.

+ الدراسة:
أما بخصوص الدراسة في جامعة أم القرى فهذه هي الخطة الدراسية كاملة لهذا التخصص :







4 سنوات دراسية أول سنتين منها مواد نظرية منها ما هو خاص بالتخصص ومنها ما هو عام على مستوى الجامعة كالقرآن والثقافة والسيرة واللغة العربية ومنها ما هو عام على مستوى الكلية كالجغرافيا ومقدمة علم المعلومات أما السنتين المتبقيتين فتحوي باقي مواد التخصص النظرية بدون مواد عامة بالإضافة إلى 4 مستويات تدريب ميداني مستوى في كل فصل دراسي حيث يجري التطبيق في المؤسسات الأولية والثانوية ، ويشير مفهوم المؤسسات الأوليّة إلى المؤسسات التي تُمارس الخدمة الاجتماعية كوظيفة أساسية وأما المؤسسات الثانوية فهي التي تُمارس الخدمة الاجتماعية كوظيفة مُساندة ومُساعدة في تحقيق الأهداف الأساسية للمؤسسة وسأذكرها الآن  :
-         المستوى الأول من خلال الزيارات الميدانية لبعض المؤسسات ، وذلك لأجل تعريف الطلبة ميدانيًا بأدوار الأخصائي في هذه المؤسسات وأهداف المهنة فيها وتدريبه على الملاحظة وأسس التدخل المهني وربط هذا الواقع بالمعارف النظرية التي تلقاها في سنواته الأولى وإلى هذه المرحلة
-        المستوى الثاني يكون في مؤسسة تعليمية  ( مدرسة ) وهذا مثال على المؤسسة الثانوية فالمدرسة موجودة لتحقق أهداف التعليم والتنشئة في الطلبة وتأتي الخدمة الاجتماعية لتُساندها في تحقيق أهدافها من خلال التصدي لمشكلات الطلبة النفسية والاجتماعية والسلوكية وبعض المشكلات التعليمية لأنّ وجود هذه المشكلات يُمكن أن يعطّل سير العملية التعليمية ونجاحها.
-        المستوى الثالث في مؤسسة اجتماعية وهذا مثال للمؤسسات الأوليّة التي تمارس الخدمة الاجتماعية كوظيفة أساسية لا تقوم إلاّ بها ـ في المجالات التي سبق وأن ذكرتها
( مؤسسات تخدم فئة ذوي الاحتياجات الخاصة – مؤسسات رعاية المسنين –  مؤسسات رعاية الشباب - مؤسسات رعاية الأيتام – الضمان الاجتماعي – مراكز التنمية الاجتماعية )

-        المستوى الرابع في مؤسسة طبية وهذا مثال للمؤسسات الثانوية أيضًا.
-        والهدف من كل مستوى هو توظيف المعارف النظرية التي تلقاها الطالب خلال دراسته فيميدان العمل وتدعيم إعداده العلمي بالعملي.

أهم أسئلة المستجدات:

س/ هل التخصص صعب أو سهل ؟
صعوبة وسهولة دراسة أي تخصص تعتمد على مدى رغبتك في التخصص وتقبلك له ، وفيما عدا ذلك فهناك مشاق الدراسة المتعارف عليها لدى الجميع من مذاكرة وتكاليف و واجبات ، الخدمة الاجتماعية تخصص ممتع بالنسبة لي.

س/ ما هي الفرص الوظيفية للتخصص ؟
نعم هذه الصياغة الصحيحة للسؤال ، بعيدًا عن السؤال الآخر الذي يقول أصحابه ( هل للتخصص مستقبل ؟ ) والذين اعتادوا على استخدام هذه الصياغة آملُ منهم العودة إلى تدوينتي هذه  فخّ التخصصات التي لا تؤمّن المستقبل.

الفرص الوظيفية للخدمة الاجتماعية متنوعة كمثل المجال الأكاديمي ( معيدة )
وهناك مجالي التعليم والمستشفيات كما ذكرت سابقًا في مجالات التخصص
بالإضافة إلى الفرص في المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الخيرية في المجتمع بكافة أنواعها ، الأهلي منها والحكومي.

مقر الدراسة :يوجد قسم الخدمة الاجتماعية في فرع الجامعة الرئيسي للطالبات بالزاهر وفي الكلية الجامعية بالجموم.
قيمة المكافأة الدراسية : 925 ريال
وهناك مكافأة امتياز قيمتها 1000 نهاية كل سنة للطلبة الذين يحصلون على تقدير " ممتاز " في فصليين دراسيين على التوالي.


أخيرًا أنا حاضرة للمساعدة دومًا والإجابة عن الاستفسارات
من خلال حسابي على تويتر. @A9o0L
وبريدي الإلكتروني : Asala.a.k@hotmail.com

حساب قسم الخدمة الإجتماعية للطالبات – جامعة أم القرى على تويتر :

UQUSocialwork@