أتأسّى باللغةِ حينَ أقرَأ الأدبَ وأصغِي للقَصِيدة.

الاثنين، 10 أغسطس 2020

يوميات رائدة في أقرأ (2)

 





 " سؤال الطفل ذاك الذي يخرج بصيغته الخام، ربما يساعدك في أن تستعير منه الشغف ومهارة حيازة السؤال ويجعلك أكثر سعة لتقبل أفكار لذيذة وغريبة كغرابة خياله. قد يجعلك سؤاله تبتسم، لكنه سيكون في ذاته سُلَّمًا للوصول لمعنى ما، دون الالتفات حتى لسطوة علامة الاستفهام"

داليا التونسي


ملتقى أقرأ الإثرائي، مٌحترف لصناعةِ الأسئلة، هنا يتعلّم المشاركون والمشاركات فنّ صناعة السؤال وخلق علامة الاستفهام، يتجاسرون على تجاوز قداسة المألوف والبدهي، فيسألون!

يلتفتون إلى الفارق بين ماهية الأشياء والأفكار وأغلفة الفهم المزعومة التي يدَّعيها كلَ منَا، فتتفتت معهم الحقائق أو ما يظنون أنه الحقيقة ويعودون إلى المادّة الأولية منها، نعم الأسئلة تقلب أفكارهم على أعقابها، لكنهم هنا مفتنون جدًا بهذا الانقلاب ويسعون إليه.

خديجة  تقول بعينين متوقدتين: أبحث عن الدهشة.

مارية تُردف بحماسة وتَطلّع: أريد أن أترقّى في مدارج الإلهام.

ريما تؤمن بالعلاقة بين التاريخ والحاضر، كلّما تحدّثت يتجلّى توقها لإيجاد ذاك الخيط الرفيع الذي يربط بينهما، تؤمن بالقيمة خلف الوصول.

آية لا تكلُّ ولا تملُّ باحثة عن جزيرة الكنز خاصتها. حين تصفها تبدو أكثر إثارة من جزيرة سيلفر. تقول: أنها تبحث عن الكنز، فأسألُ أنا.

 إنها عدوى السؤال. بناتي دون أن يدركنَّ يجذبنني بجمال إلى عوالمهن، يشركنني في حكاياهن، فتكبر أسئلتي وأكبرُ أنا، وأراهن على الطفل الذي يكبر في داخلي أيضًا، يكبر ليخلد، لا ليشيخ. يشتعل العمر غضاضة.

يسأل الأستاذ علي البركاتي في نهاية محاضرته المتعلقة بأوهام القراءة، ما الذي يحدث كلما كبرنا لتتناقص سبل الدهشة أمامنا ومعنا؟َ!

فتتبدَّى لي الإجابة في جلسة الحوار السابقة التي أدارتها المشاركة خديجة عن كتاب (أنا ملالا) حين وجهت سؤالًا إلى زملائها مفادهُ " إلى أي مدى يُمكن أن تتحول الأفكار المفروضة قسرًا من سلطة ما مع مرور الوقت إلى جزء من هويتنا وتشكيلنا الذاتي؟"

ليست فقط الأفكار المفروضة بل الموروثة والمعلّبة التي لا يتوانى الكثير ممن حولنا عن تقديمها لنا، هذا ما يحدث يا أستاذ علي.

نقع في فخاخ الوصفات الجاهزة للحياة. معها لا جدوى من السؤال ولا قيمة للدهشة.

ثمّ انتقلنا مع الأستاذ بندر سليمان إلى مساحة مختلفة وممتعة في التدوين البصري، أخرج المشاركون والمشاركات فيها مواهبهم في الرسم ودارت بينهم حوارات رائعة عن علاقة التدوين البصري بالتفكير ومناط حاجتهم له كقرّاء.

أيضًا لم تكن جلسة النقاش التي قدّمتها المشاركة ليان أقلًّ متعة، تثير إعجابي ليان حين تتحدث، مهاراتها اللغوية عالية وحضورها لافت، قدّمت مراجعة جميلة عن كتاب الحقيقة والكتابة لبثينة العيسى، واستطاعت إثارة نقاشات ثرية بين زملائها وزميلاتها المشاركات.

تقول المشاركة بتول: لا أشعر بالتنافسية في أجواء الملتقى، إنّ ما يغلب عليها تطلع المرء إلى خلق علاقات وصداقات تثري رصيد تجربته، تعمّق استفادته، ويختبر معها كلَّ أفكاره التي يعتقد بصحتها وصوابيتها.

وأعتقد أنّ هذا جزء جوهري جميل في مسابقة أقرأ، غياب النزعة التنافسية الشائهة، في كل التفاتة مفاجئة وسريعة مني إلى المشاركين والمشاركات ألتمس ذلك وأراه صريحًا حتى أنّهم لا يترددون في مساعدة بعضهم البعض ومشاركة الأفكار فيما بينهم. بمرور اليوم الثاني فقط هناك تبدّى الدفء والتقارب فيما بينهم وهذه إحدى بركات أقرأ. وما أكثر بركاتها.

ومما يميز هذا الموسم أيضًا فصل الملتقى الإثرائي الخاص بالمرحلة الإبتدائية والمتوسطة عن الملتقى الخاص بالمرحلة الثانوية والجامعية، نجاح هذه الخطوة بدا منذ اليوم الأول.

أشعر بالتعبِ اللذيذ.

 

 

 

الأحد، 9 أغسطس 2020

يوميات رائدة في أقرأ (1) 2020

 

خديجة: معلمة هل تعرفين جلسة سقراط؟

أصالة: لا. ما هي جلسة سقراط؟ أخبرينا عنها.

خديجة: جلسة نطرح فيها الأسئلة المفتوحة والممكنة، سؤالٌ ينبثق عنه سؤال آخر، في دورات كاملة بيننا نولّد الأسئلة، لنخلق إجاباتها.

أصالة: جميل، جميل. إذن ماذا لو غابت الشمس؟

خديجة: إنه سؤال غير فلسفي، وأعتقد أن له إجابة علمية.

أصالة: لكني لا أنظر إلى السؤال من هذه الزاوية، ما أقصده كيف ستبدو الحياة بالنسبة لخديجة أو أصالة لو غابت الشمس ...


ثمّ تدفّق عليَّ وابل الإجابات والأسئلة من المشاركاتِ اللواتي أشرفت عليهنّ، أو كما أحب تسميتهنّ، بناتي.

خديجة في نهاية المرحلة المتوسطة.

بعد انتهاء جلستي الأولى معهنّ، أدركتُ حجم الهوّة الصارخة بين ما حدث وبين تغريدة كتبتها على صفحتي في تويتر قبل أربعة أيام( أكثر ما يزعجني في انكفاء الأطفال والناشئة على الأجهزة الالكترونية، فوات خيارات وفرص حياتية عليهم. كم تجربة جديدة ما عاشوها؟ كم علاقة أو تفاعل اجتماعي يثريهم ما انتبهوا له؟ كم متعة أخرى محتملة( مع غير الأجهزة ) فوتوها؟ هذا العمر الواحد يقصر كلما ضاقت مساحات المعرفة والتجربة والاكتشاف).

يقول باسل وأظنه في نهاية المرحلة الإبتدائية أو بداية المرحلة المتوسطة عبارة مفادها (أنه هنا لتكوين الصداقات التي يمكن أن تثريه وتفيده في تجربته القرائية أو في رحلة العمر)

فأجدُ أني موعودة بأيامٍ بالغة الكرم في عطاءاتها، لذيذة بمكتسباتها مع ناشئة يعرفون جيّدًا كيف يكبرون بالتجربة قبل العمر، ويتمددون إلى حدِّ الآفاق التي تؤطرها السعة.

 

 فلّاح هذي الأرض عمري حنطتي .. وبذرت أكثره حصدتٌ أقلّه.

أحمد بخيت

أما أنا فأقف أمام فلّاحين يبذرون الأقلّ من العمر ليحصدوا الأكثر من القيمة والمعنًى.

آية أيضًا جاءت إلى الملتقى الإثرائي بحثًا عن المعنى. آية في المرحلة المتوسطة.

حسنًا. هل المعاني لا تكتملً بقدر مالا تكتمل الحكايات؟

هذا سؤال تبادر إلى ذهني أثناء المحاضرة الجميلة التي قدّمتها لنا المبدعة في أدب الأطفال:   أ. أروى الخميّس، عندما جاءت مجندة حججها وحكاياتها في محاضرة(حكايات لم تكتمل) ومراهنة على المساحات البيضاء في نصوص الكتّاب تلك التي يتركون من خلالها شقوقًا تسمح بنفاذ تأويل القراء في تواطئ ضمني على المشاركة في حكي الحكاية، فدائمًا لدى القارئ ما يقوله بقدر الكاتب على الأقل أو ربما على الأكثر.

ماذا عن مسلّمات القصص التي توارثها الجدات والأجداد وبثها الأدب في وجدان المجتمعات جيلًا بعد جيل، ماذا لو كان مالا نعرفه عن قصة سندريلا وطرزان أكثر متعة وإثارة مما عرفناه؟ ماذا لو بدأت القصة بعد نقطة النهاية؟ نعم تلك الحكايا ناقصة وأكمل المشاركون والمشاركات ما استطاعوه منها، في جلسة ولّادة للأسئلة ومالئة للفراغات

أشارك في هذا الموسم كرائدة إلى جانب رائدتين أخريتين. هند من جدة عضو هيئة التدريس في قسم اللغة العربية، وجمانة الكاتبة والمهتمة بأدب الطفل من سيهات وفوّاز معلم اللغة العربية، ومن هنا تبدأ حكايتي التي أعيشها لأرويها، ربما تختلف عن حكايا المشاركين والمشاركات، لكني أؤمن أنها ليست أقل حظًا من الدهشة والجمال أو ثراء من المعرفة والتعلّم.

هذا دون حساب الجلسات العفوية والطارئة التي تجمعنا بالأستاذ طارق الخواجي أمين مكتبة إثراء والمشرف على مسابقة أقرأ، هذا الرجل المبارك الذي ما إن يبدأ لقاؤك به حتى تستهلّ الأحاديث وتترامى أطراف الأسئلة ويتمدد بساط المعرفة من تحتك، وفي نهاية كل جلسة أو لقاء تتسآل ما الذي لا يعرفه هذا الرجل؟! بارك الله له وفيه وعليه.

يقول أستاذ طارق:أقرأ بحاجة العودة إلى القرّاء.

وقصد في حديثه إلى أنّ هذه المسابقة تكبر بمشاركيها وترفع سقف معاييرها موسمًا تلوّ آخر، ودائمًا لدى القرّاء والقارئات ما يقدمونه ويضيفونه.

أنظر إليه بامتنان وأنا أستحضر من ذاكرتي مواقفًا من الخيبة عشتها في المرحلة الثانوية بين عامي 2012 -2013، حين كانت مسابقات الموهبة و أولومبياد الإبداع تقتصر على النماذج الفذة والنابغة من الطلبة في مجالات العلوم والهندسة، فكانت المدرسة تشجعهم وتدعمهم وتفاخر بهم، وكنتُ أشعر بقلة حظي حينها لأني لا أمتلك شيئًا أقدمه أو ميزة أمتلكها أو موهبة أتفوق بها مثل زميلاتي اللواتي يشاركن في مثل هذه المسابقات. وكنت أعتقد حينها أنّ اهتماماتي الأدبية هي فضلة حظي العاثر عليّ.

لكننا اليوم نقف على أعتاب مرحلة مختلفة تمامًا في جوهرها وفرصها، يُقدَّرُ فيها أصحاب المواهب الأدبية كما يقدّّرُ أندادهم من أصحاب المواهب العلمية، وهذا يعني استثمار حقيقي وفاعل ومثمر في الناشئة والشباب بمختلف أطيافهم واهتمامتهم. ومن مثل مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي الذي أنحاز له بالعاطفة وأدين له بالامتنان.

أخيرًا هنا أنا مُكلّفة بمجموعة من المهام التي تصب في صالح تعزيز المهارات النقدية والمهارات اللغوية المرتبطة بالكتابة والإلقاء للمشاركات اللواتي أشرف عليهنّ لكني لا أعوّل على هذا الدور بقدر ما أعوّل على دوري في تقليص مساحات القلق والخوف التي تحجّم مساحات النمو والاستمتاع بالتجربة لديهن، فبقدر ما يتجاسرن على المشاركة والتعبير عن ذواتهنّ و وجهات نظرهنّ، سيبدأن باختبار أفكارهنّ و وضع المسلّمات أو الصواب الذي يعتقدنه على طاولة التفكيك والتشريح لإعادة بنائه وتشكيله لا كيفما توارثنه ولُقنّه ولكن كيفما يؤمنّ به وينبعث من ذواتهنّ.

أليس مدهشًا وجميلًا أن أكون جزءًا من صناعة تجربة نوعيّة تساهم في بناء الإنسان على هذه الشاكلة. بلى.

أنا سعيدة.

الثلاثاء، 12 مايو 2020

سنة أولى ماجستير..في الرياض


 يبدأ معك كل شيء عندما تتقدّم!

 كل خطوة هي اجتثاثٌ من جذورك ونفيٌ عن أرضك المباركة، كلما ارتفعت ساقك عن الأرض تزداد ضربات قلبك، يتآكّلك خوفك من الداخلٍ شيئًا فشيئًا.
 تنظرُ تارة إلى موضع قدميك محاولًا تتبع خطواتك المستمرة والتي لا تتوقف، من أين لها هذه الشجاعة؟!
تارة أخرى تنظرُ إلى الأمام الذي تذهب إليه مستمرًا وخائفًا، وهذا القلق المستعرُّ في نظراتك وحده يملكِ القدرة على مساءلتك، محاسبتك، مواجهتك بأسئلة فجة وصارخة عن الجدوى؟ وعن القدرة؟ وعن ضماناتِ الوصول؟

لا زلتَ تخطو إلى الأمامِ، لا زلتَ تتقدم!
وأشياؤك وأشخاصك يتساقطون منك إلى الوراء، إنك تذهب لكنك وحدك ..

الغربة، أزعم أنها شيء يشبه ذلك يا أصدقاء.

 أو هكذا شعرت منذ الليلة الأولى التي بتُّ فيها في الرياض عندما تركني والدي هناك عائدًا إلى مكة، في إيذانٍ أوّل بأنّ كل ما سأعيشه لاحقًا نتائج وتبعات أوجدها قراري في الدراسة بعيدًا عن العائلة والصديقات.





حدثت أشياءُ كثيرة منها ما أذكر تفاصيله ومنها ما نسيته، لكن بالشعور أذكر جيّدًا وحشتي:

- في الليلة الأولى في سكن المغترباتِ، الذي يحرسُه حارسٌ لا أعرفه.
- في اليوم الأول الذي مشيتُ فيه وحدي من كلية الآداب حتى المكتبة المركزية وأنا أتذكرني محفوفة بالصديقات كل يوم مضى في جامعة أم القرى.
في المرة التي قررتُ فيها أن أعمل وأتحمل مسؤوليات استقراري وحياتي كاملة في الرياض.
         -في إجازة العيد الوطني التي لم تتسنى لي فيها فرصة العودة إلى مكة، فذهبتُ إلى مكتبة جرير في محاولة تجاهل الغصة التي شعرت بها، ليصلني اتصال من أخي تنهار معه كل دفاعاتي فأنخرط في البكاء(أنا لحالي هنا، أبغى أكون معاكم، أبغى أجيكم مكة).

كيف لمدينة كبيرة ومكتظة إلى هذا الحد أن تضيق بي؟ كيف اختنقت برغم رقة رياض بدر بن عبدالمحسن؟





كلّما نظرتُ إلى المرآة بعد ذلك، وجدتُ شيئًا فيّ يتغيّر، كنتُ كمن يعيد ترتيب الحياة بداخله ويحاول مرة تلوَ الأخرى اكتشاف مساحاتٍ أوسع وأرحب أبتكر فيها معانٍ جديدة لكلمات طالما بهتت من فرط تردادي لها( المسؤولية، المواجهة، الشجاعة، الطمأنينة، الحب، العائلة، الأصدقاء ...).

الشجرة كانت تكبر وتنضج على هذا النحو، أخيرًا استطاعت أن تتمدد بجذورها في أرضٍ مختلفة.

هذا شيء من ملامح الحكاية والحياة آنذاك، أمّا على مستوى المرحلة الدراسية أريد أن أطرح الأسئلة وإجاباتها في آنٍ واحد لأنّي أدركُ تمامًا بأن ذلك الشخص الذي سيأتي باحثًا عن إجاباتٍ تطمئنه وتهدهد مخاوفه وهواجسه في أحد لياليه الدراسية، يريدها واضحة، مباشرة وصريحة.






*ما الذي دفعك لإكمال دراستك؟ ولمَ لم تكن الوظيفة خيارك الأول؟

توظفت مؤقتًا في الفترة الانتقالية بين انهائي لمرحلة البكالوريوس وتقديمي على الماجستير، وكانت تلك الفترة حاسمة لخروجي منها ببعض القرارات والتي كان أولّها أني أنتمي للعالم الأكاديمي أو أحبّه بمعنى أدق، وأجد نفسي كثيرًًا فيه، احتكمت في ذلك إلى معيار قيمي الخمسة العليا والتي يأتي العلم تعلّمًا وتعليمًا في قمتها، ثمّ إلى اهتماماتي المبكّرة في القراءة والبحث وإعداد المواد العلميّة المكتوبة، وأخيرًا إلى معيار شغفي بتخصصي وتفوقي فيه بفضل الله، واعتقدت بعد الاستشارة والاستخارة أنّ هذا قد يكون كافيًا لأتقدّم بشجاعة للمجال الأكاديمي.

     * كيف كانت ليلةٌ اليوم الدراسيِّ الأول؟

كعادتي منذ 16 عامًا أمضيتها بلا نوم، وظللت أبحث عبر شبكة الانترنت عن مدونات أو قصص لأشخاص خاضوا تجربة دراسة الماجستير، حتى أطمئن قليلًا حين أعرف مخاوف من سبقني في هذه المرحلة وجدتُ بعض القصص المطوّلة، لكنّ أكثر ما وجدته كان في تويتر عبر وسم #أولى_ماستر #نصيحتك_لطالب_ماجستير_مستجد ولهذا كان قراري أني أيضًا سأكتب تدوينة أصف فيها تجربتي علّها تطمئن أحدهم يومًا ما.

* بعد مُضي ليلتك الأولى والعديد من الليالي الدراسية حتى إنهائك للسنة الأولى في دراسة الماجستير، هل وجدتِه صعبًا؟ وفي جامعة الملك سعود تحديدًا؟

لا. الحمدلله لم يكن صعبًا لكنه كان مُتعبًا ولا سعيَ دون جهدٍ وتعب. بالنسبة لجامعة الملك سعود تحديدًا، فأعترفُ أني كنت أملك تجاهها العديد من المخاوف من بداية تقديمي نتيجة ما كان يصلني عن ارتفاع معايير القبول ومعايير الدراسة العلمية، لكن تجاوزتُ كل ذلك بفضل الله و وجدتُ أني مؤهلة للدراسة فيها وكل مجتهد كذلك.

*كيف استطعت إذن توظيف وقتك لمواجهة ذلك التعب ؟ لأنّ أكثر ما يُذاع عن هذه المرحلة أنها تغرق الدارسين غرقًا لا ينجو معه وقتهم، فلا شيء سوى الدراسة.

صحيح هذا أكثر ما قرأته أيضًا في تويتر ليلة الدراسة الأولى وتخيّلتُ حينها أني لن أجد وقتًا أحكّ فيه شعر رأسي كما يقولون!
لكن دائمًا كان هناك وقت، ربما أيضًا لأني أدرس بعيدًا عن الأهل والأصدقاء مما يعني انعدام الالتزامات والمسؤوليات الاجتماعية وفائض كبير من الوقت، فكنتُ أجد وقتًا لإنجاز بحوثي وللاستذكار، وللتواصل مع الأهل والأصدقاء ومشاهدة التلفاز ..
وعلى كل حال أعتقد أنها مسألة أولويات ومفاضلة بين الخيارات، يحدد فيها الشخص الأهم فالمهم فالأقل أهمية، مع اضطراره أحيانًا للتضحية والتنازل المؤقت عن أشياء ذات أولوية.

*كيف كان تعامل أعضاء وعضوات هيئة التدريس؟

كما يكونون في كل زمان ومكان! منهم المرن والمتعاون والمتفهم لمخاوف الطلبة لاسيما في البدايات ومنهم من هو على العكس من ذلك يميل إلى الجمود وفرض أرائه الشخصية وتضييق نطاق التفكير والإبداع العلمي لدى الطلبة.
منهم من قدّم لنا نموذجًا رائعًا للشخصية الأكاديمية كباحث وكعضو هيئة التدريس ومنهم من كان دون ذلك.

مع ذلك كانت النماذج الجيدة غالبة الحمد لله.

* بعد إنهائك للسنة الأولى ماذا بقي لك؟ وما السمات المميزة لهذه المرحلة؟

بقي لي فصل دراسي واحد منهجي (أدرس فيه مقررات) وبعدها أبدأ في إجراءات تسجيل الرسالة ثم كتابتها بإذن الله.
السمات المميزة لهذه المرحلة بالنسبة لي كانت كالتالي:
-        قلة عدد المقررات مقارنة بالبكالوريوس( كل فصل دراسي فيه 4 مقررات).
-        جهد مكثف من البحث والقراءة لإعداد البحوث والمواد العلمية لعروض المقررات.
-        إن كانت المحاضرات الدراسية خلال يومين فلابدّ أن يكون اليوم الثالث لارتياد المكتبة لساعات مطوّلة، وإن كانت خلال 3 أيام فلابدّ أن يكون اليوم الرابع للمكتبة.

* هل اخترتِ موضوع رسالتك؟

لا، ليس بعد. وهذا أمر عادي وطبيعي جدًا حتى هذا الوقت.
لأنّ أكثر النصائح تكرارًا في بداية هذه المرحلة كانت(لازم تختاري موضوع رسالتك من بدري، لا تخلص السنة الأولى وانتِ ما اخترتي،...) وجملة من العبارات التي تعزز القلق وتجعلك تشعر بأنك لن تنال وثيقة التخرج إن انتهى عامك الأول قبل اختيارك للموضوع بل والمشرف!
كلما كان الاختيار باكرًا فهذا يوفّر وقتًا بل وجهدّا أحيانًا على الطالب، لكن مع ذلك فكل هذا الوقت من حقّ الطالب في التروي والاختيار حتى انتهاء فصوله الدراسية المنهجية تقريبًا.

أخيرًا كان شعار المرحلة بالنسبة لي:




عندما أطللتُ على هذه المرحلة من شرفة محمد عبدالباري
وجدتُها كما يقول:

ستجيء سبعٌ مرة فلتخزنوا.. من حكمة الوجع المصابر سكرا
سبعٌ عجاف فاضبطوا أنفاسكم .. من بعدها التاريخ يرجع أخضرا

والسبع العجاف دائًما ما يتلوهنّ سبع مورقات، فأتأمل.

الثلاثاء، 16 يوليو 2019

ماذا بعد تخرجي من البكالوريوس



حكايتي بعد التخرج ...




أقصها عليكم لأني أدرك الميزة الكامنة في القصص والحكايات حين تخلق مساحة إنسانية مشتركة من المشاعر والتجارب ، على مستوى الانتصارات كما هو في العثرات والإخفاقات ، وعلى مستوى المسرات كما هو في المواجع والخسارات.

بين أًصابعي الكثير من الأحرف العالقة لعامِ كامل وارتباكٍ متكامل.

تراوحت أيامه بين السعة والضيق ، بين الجدب والعطاء ، لا أدري إن كانت أيام الشدة أكثر أم تتجاوزها أيام الرخاء ، لكنه كان عامًا كاملاً ومرّ.

·       آخر اختبار لي في مرحلة البكالوريوس يوم 23 / 8 / 1439هـ
·       استلمت وثيقتي يوم 20 / 9 / 1439 هـ
·       فاجأني الأهل والأصحاب بحفل تخرج أنيق ومميز لا تزال ذكراه عالقة في ذهني
 يوم 1 / 11 / 1439هـ

بعدها لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى تنازلت عن شرف حمل اللقب الذي طالما انتظرته ( خريجة ) ، لأبدأ متعجلة في البحث عن ( وظيفة ).

  • -         لا يمكن أن أمضي عامًا كاملا بالمكوث في المنزل دون عمل أقضّي فيه ساعات فراغي الطويلة وأتكسّب من خلاله ما يكفل لي استقلالي المالي الذي اعتدته مع المكافأة الجامعية.
  • -         من أين أبدأ ؟
  • -         ماذا أريد ؟ وظيفة موسمية ؟ وظيفة حكومية ؟ وظيفة في القطاع الخاص ؟
  • -         بين المجالات المتعددة المتاحة لخريجي تخصصي ، إلى أيّ المجالات سأنحاز بشكل دائم أو مؤقت ؟


مثل هذه الأسئلة والهواجس لم تكف عن طرق رأسي ، طرقًا ملحًا ، شديدًا ، مسببًا للصداع مع مرور الوقت.

في البدء كان أكثر ما يربكني أنّ هذا العام ، عامٌ مفتوح على مصراعيه ، لا حدود للفرص فيه ولا قواعد لضبط تجاربه ، ومن هنا تحديدًا اتسعت رقعة التيه وتفاقمت أزمات الأرق.


عشرات الإعلانات الوظيفية التي تواصلت مع أًصحابها
( مقاهي ، مراكز تجارية ، محلات حلويات ، مستشفيات ، مدارس )

كانت هذه أول الخطط التي شرعت في تنفيذها ، وظيفة مؤقتة في قطاع خاص ، أستطيع التنازل عنها مع وجود فرصة أفضل منها ، لا يهم أين تكون ، وكم مردودها ، لكن الأهم : الخبرة ، عدم المكوث في المنزل ، راتب شهري.

كان الصمت والتجاوز ردًا من معظم تلك الوظائف ، للعديد من الاعتبارات التي كان من بينها :
سيرتي الذاتية والتي لا ترقى لها وظائف مثل معدة قهوة ( باريستا ) في مقهى أو موظفة استقبال في مستشفى أو بائعة في إحدى المحلات.
جاءني هذا الرد فعلا في الكثير من الوظائف، وغضبت.

وفي إحدى المرات التي لا أعرف سبب أخذ مسؤولي التوظيف فيها لسيرتي الذاتية على محمل الجدية ، وقاموا باستدعائي لأداء المقابلة الشخصية ( كمُحاسبة في إحدى محلات الحلويات )
اطلع المسؤول على السيرة سريعًا ثم استوقفه سطر خبراتٍ يقول :

-         متدربة كأخصائية اجتماعية لمدة 3 أشهر بمستشفى الملك فيصل بمكة.

ردده متعجبًا ثم سأل : أًصالة ماذا تفعلين هنا أمامي وعلى هذا الكرسي ؟
أنت أخصائية ونحن حلونجية ، فهل تدركين الفرق ؟

أصابني في مقتل أو قصف جبهتي أيًا يكن ، لكنني ابتسمت ببلاهة لم ينتبه لها وأجبته إجابة معلّبة ، جاهزة ، يبدو أنها لم تكن مقنعة كفاية ، لأنهم لم يعاودوا التواصل معي بعد ذاك اليوم.

وهكذا من بين عشرات تلك الوظائف التي تقدمت لها خلال هذا العام ، قمت بسبع مقابلات فشلت في أربعٍ منها ، واجتزتُ ثلاثة.

ولكما أن تتخيلا عزيزي القارئ / عزيزتي القارئة :

كم كان الانتظار طويلًا والإخفاق عصيبًا ، والمرارة متفاقمة واليأس قريب.

هذا ما شعرتُ به بمرور 4 أِشهر بعد التخرج ، وعند النظر لمعدلات البطالة التي نعاني منها ، يبدو رقمًا سخيفًا لا بدّ أن أخجل من ذكره.
هكذا استخف الكثيرون بحالة الإحباط التي أصابتني خلال تلك الفترة.

ثمّ كان ( مشروع رائدات : لتأهيل المربيات والقيادات التربوية )
محطة توقفتُ عندها مع بداية السنة الهجرية الجديدة 1440هـ ، لم تكن ضمن المخططات ، لكنها جاءت بالكثير من المزايا والهبات
لمدة فصل دراسي كامل ، يومان من كل أسبوع ، دورات تدريبية تربوية وفكرية ، مخالطة أناس على قدر من العلم والفضل والخلق – بارك الله لهم وفيهم وعليهم – كان لي من المشروع خير الزاد وتقويم العدة والعتاد.

وأثناء انتظاري في هذه المحطة ، في يومٍ أِشرقت شمسهُ من مطلع آمالي ، ومن حيث لم أحتسب ولم أتوقع ، تواصلت معي مديرة إحدى المؤسسات الاجتماعية التي سبق وأن تطوعت فيها خلال المرحلة الثانوية ، لتقدم لي عرضًا وظيفيًا لم يطرأ لي على بالٍ حينها ، كان عرضًا مفصلا على مقاس سيرتي الذاتية ، عرضًا يشبهني وأشبهه ، يعرفني وأعرفه. كم كانت دهشتي كبيرة وسعادتي أكبر.

نعم ، ما أصابني لم يكن ليخطئني وما أخطأني لم يكن ليصيبني .
كان هذا درسًا أولا لتلك الفترة.

دون الخوض في التفاصيل كانت تجربة علمتني ما يجب أن أتعلمه، وكان عمرها شهرين فقط.
خلالها كنت أقدر على تلمّس الطريق ، ومواجهة المخاوف المتبقية ، وتحديد الغايات الجديدة ، أردتُ دائمًا ألا ينتهي هذا العام إلا وقد وجدت لنفسي سياقًا جديدًا وملائمًا تنتظم من خلاله أهدافي ومناشطي ومساعيي. واجتهدت لذلك.


قرارٌ اتخذته وخطة انتهجتها :
متجاوزة كل الفرص الثابتة والحكومية التي أتيحت تلك الفترة لتخصصي في عدة مجالات كالمستشفيات والمدارس والمؤسسات الاجتماعية – كل فرصة تجاوزتها كانت بمثابة وخزة ضمير تحذرني من ندمٍ لاحق – لكنه كان قرارًا حازمًا
أريد الالتحاق بالمجال الأكاديمي تعلّما وتعليمًا ( الماجستير والمعيدية ).


قدّمت على كل فرصة ملائمة لهذا القرار أتيحت و وجدتها.

إخفاقاتي هنا كانت أشد وطأة وأكثر إيلامًا.

لم أجتز اختبار القبول للمعيدية في جامعتين.

حاصرتٌ نفسي بأسئلة سوداء مفخخة ، من قبيل :إن أخفقتِ في أكثر ما تحبين وتدعين إجادتك له ( تخصصك ) ، فبماذا ستنجحين ؟!
هكذا يعادي الإنسان نفسه حين يخفق أحيًانًا ، فيتحول يقينه إلى شك ، وتصديقه إلى كفر ، يتجرّد من قوته وجَلَدِه ويستسلم لضعفه ويأسه.

لا بأس هذا جائز ؛ لأن الإنسان خلق هلوعًا ، جزوعًا ...

له أن يخفت نور البصيرة في قلبه لا أن يخبت ، حتى يستطيع أن يستدل في طريقه إلى حبائل اليقين والتصديق والقوة مرة أخرى.

حتى يرى الله في قلب محنته ، ويدرك من جديد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأن العوض الجميل آتٍ لا محالة ..

هكذا تجاوزت بفضل الله محنة جديدة ، ثمّ بفضل نداء وخولة ، صديقتاي اللتان كانتا معي طوال الطريق على قدر المشقة والتعثر ، وعلى قمة كل نجاح واحتفاء.
صيّرهما الله لي نورًا ولطفًا وريًا لا يشح أو يتوقف.

مر شهر على تركي للوظيفة الأولى والتحاقي بالوظيفة الثانية خلال هذا العام ، هي أيضًا لم أتوقعها ، لكنني سعيت لأجلها ( معلمة ورائدة نشاط ) في إحدى المدارس الأهلية.

أختصرها بكونها تجربة :  ممتلئة ، ماتعة ، شاقة ، ممتعة ، مثرية ، صعبة ، حساسة وجميلة !

كل مفردة لي معها قصة لا يتسع المكان هنا لذكرها ، وحسبي من هذه التجربة أني أحببت دوري كمعلمة تخالط الطالبات وتتعلم منهن بقدر ما تعلمهن أكثر من كوني إدارية تتعامل مع الأوراق والأجهزة.
أيضًا كان عمر هذه التجربة شهرين انتهيا بنهاية السنة الدراسية المنصرمة.

خلال هذين الشهرين كنت أعمل على قراري الجديد وخطتي الجديدة وأواصل سعيي للحصول على المعيدية أو الماجستير !

تقدّمت هذه المرة على الماجستير ، وصلني بعد فترة ، ترشيحي لأداء اختبار القبول ، لا أنكر أن خوفي من الإخفاق فاق حماسي هذه المرة للدرجة التي راودتني فيها أفكار إضاعة الفرصة وتجاوزها، فتخليك عن شيء لا يشبه أبدًا تخليه عنك ، في الأولى تنتصر لكبريائك وفي الثانية تخسره.
هنا أيضًا بعد توفيق الله كان لخولة ونداء فضلُ كبير ، في مواجهة هذا الخوف وخوض التحدي ، سافرتُ الرياض لأداء اختبار القبول يوم  الثلاثاء 19 / 7 / 1440 هـ

بعده الانتظار !

لم يكف أبدًا عن كونه طويلًا وشاقًا وذا دمٍ ثقيل.
لا سيما الانتظار المطعّم بأفكار سوداء وهواجس مؤرقة ، والحمد لله أني حينها كنتُ أعمل في المدرسة ، وقد كان لدي من العمل والمسؤوليات ما أزاحم به تلك الهواجس وأتجاهل فيه قدرًا ولو يسيرًا من هذا الانتظار.

في صباح يوم الثلاثاء 26 / 7 / 1440 هـ أثناء جلوسي على مكتبي واستعدادي للذهاب إلى إحدى الحصص الدراسية ، وصلتني رسالة نصية مفادها ( تم ترشيحك للمقابلة الشخصية ماجستير خدمة اجتماعية وستكون يوم الخميس 28 / 7 / 1440 هـ ....)

دون أيّ اعتبار لأصالة الأستاذة والإدارية ، وبممارسة حقي الكامل والمشروع في إبداء سعادتي كطفلة تحت سن النضج ، لا أعرف عدد القفزات التي قفزتها وأنا أصرخ بصوت عالٍ شاكرة لله ومعلنة عن هذا الترشيح.
والحمد لله أن ضياع البريستيج هذا لم يشهده سوى اثنتين من زميلاتي –  شاركتاني إياه بتلقفُ هذا الكم من البهجة بين أحضانهما وبصدق دعواتهما.

أسترجع الموقف الآن ولا أستطيع مغالبة الابتسامة الطارئة على وجهي ولا السعادة المنبثقة في قلبي ، هذه إحدى فضائل الكتابة.

اليوم الثلاثاء والمقابلة الخميس ، بعد انتهاء موجة الفرح العارمة تلك ، عدت للواقع بالبدء باتخاذ الاجراءات اللازمة ( أخبرت والدي - صديقي الأول في كل شيء -  حجزت تذكرة السفر ، طلبت إجازة من العمل ، وحين عدت إلى المنزل بدأت الاستعداد والإعداد )

يوم الخميس بعد انتهاء المقابلة وخروجي منها ، هاتفت والدي لإعلامه بمجرياتها ، تأمل لي حينها القبول وبشرني به بإذن الله.

ومع ذلك مرّ انتظار آخرٌ أطول وأصعب وأكثر قبضًا على الأنفاس.


يوم  2 / 9 / 1440هـ  كلله الله بالبشائر ، إنه العوض الجميل والجبر العظيم الذي جهلته وانتظرته.

وصلتني رسالة بريدية ( جامعة الملك سعود – عمادة الدراسات العليا – تمّ قبول طلبكم في برنامج القبول الإلكتروني للدراسات العليا – ماجستير الخدمة الاجتماعية )


استدعوا اللحن من الذاكرة وشاركوني الغناء :

" حلمنا نهار .. نهارنا عمل
نملك الخيار .. وخيارنا الأمل
وتهدينا الحياة أضواءً في آخر النفق
تدعونا كي ننسى ألمًا عشناه
نستسلم لكن لا .. ما دمنا أحياء نرزق
ما دام الأمل طريقًا فسنحيا "
نعم كان هذا الضوء القابع في آخر نفقي ، الحمد لله .


هكذا كان لي من هذا العام الشدة والرخاء ، السعة والضيق كما أسلفت.

بعض فترات الشدة ولحظات الضيق التي مررت بها ، كانت صعبة حقًا ، ولا أصعب بالنسبة لي من أوقاتٍ لا أعرف فيها نفسي و لا أجرؤ على مواجهتها إما خوفًا أو ضعفًا.

كان لي من الضعف أيام فقدت فيها شهيتي للطعام والنوم ولمخالطة الناس ، ولم أستطع مغالبة نوبات البكاء الفجائية التي كانت تنتابني ، فضلًا عن ردات فعلي الحادة والغير مبررة في بعض المواقف مع الأهل أو الأصدقاء.

أما الخوف فقد كان لي منه أوقات فراغٍ كبيرة ومتسعة ، فقدت من نفسي فيها الكثير ، حين تركت هواياتي التي اعتدتها وأحببتها ، وبدت لي شاشة الحاسوب المطلة على عوالم المعرفة والتعلم المختلفة ، كثقبٍ ضيّق في الباب لا يسمح باختلاس النظر أو نفاذ النور.


إحدى الدروس كانت : أنّ أوقات الفراغ قد تجعل من الإنسان عدوًا لدودًا لنفسه وأنّها بنفس القدر ، قادرة على مواجهته بقناعاته وكشف مكامن النقص لديه.

أنت الآن تعيد اكتشافك لنفسك في مساحاتِ أرحب وأوسع .

أخيرًا منذ البداية كان الأمر بالنسبة لي كالدوران في عجلة أو ترس ، سعي لاهث للوصول إلى نهاية غير متحققة أو موجودة ، وحين اتسع نطاق الرؤية قليلًا أدركت أني في مدينة كاملة ملآى بالتروس بمختلف الأحجام ، انتقالي من ترس إلى آخر متوطٌ بوهم الوصول وتوسّع الإمكانات وميلاد الآمال الجديدة ، يضيق الترس بي فأنتقل إلى آخر أكبر وأسرع ، بسعي لاهثٍ آخر لوصول موهومٍ جديد !


هل يبدو الأمر مُتعبًا ؟ ربما ! لكنه ممتعٌ أيضًا.


هل يستحق ؟ قيمته في النوايا والدوافع الكامنة خلفه.