أهلاً وسهلاً بالمستجدات.
بالنسبة لي كانت من أفضل مخرجات برنامج " هندسة الخلود " هذه العبارة المُلهمة للكاتبة : آن لاموت
” أعتقد بأن هذا هو ما يُفترض أن نكون عليه في العالم، حاضرين وخاشعين "
منذ أن وقعت بصيرتي عليها وقت إعداد لقاءات البرنامج وأنا أشعر بحاجة مُلحّة تتخلّق وتتحرك في أحشاء فكري ، تُعبّر عن حاجتها للخروج ولإصدار صرخة ميلاد تُثبت وجوديتها المُدرَكة والمعبرة عن شفافيّة الفكرة و وضوحها.
لكن أنّى لها هذا قبل أن تقضي شهور نُضجها وتصل إلى مخاضها جاهزة للخروج على أيّ شاكلة.
في حين نضجها كنت أتساءل :
كيف يُمكن أن أكون حاضرة وخاشعة في العالم ؟ وهل أنا غائبة لأحتاج لمثل هكذا حضور ؟ وقبل هذا وذاك ما جدوى الحضور ؟
وبينما أنا أتأرجح ما بين الحضور في الغياب والغياب في الحضور ، بينما كنت مُنهمكة في تصنيف أبجديات المعنى ، فساعة أرجع إلى جذر الكلمتين وأخرى أخلق سياقًا يهبني إجابة أو سؤالاً آخرًا يفضي إلى نقضيها أوَ ليست الأشياء تمتاز بأضدادها ؟!
في منتصف كل ذلك وهبني إجاباتي انتشلني من براثن سؤالاتي " نورٌ على نور "
هداني الله إلى النور . إلى الجـمانُ أو الجمال لا فرق ، يتعدد الوجهان والنعمة واحدة من عند الكريم الجواد ، يا للفضيلة ! يهبني الله أولى هبات الـ19 فسيلة !
أحدثكم عن الجُمان ، عرفتها في بدايات دراستي الجامعية في أويقات الوحشة من عظمة المكان وغرابته حينما كنتُ أبحث عن نافدة ألج منها إلى الإئتلاف والإنتماء لهذا الصرح الذي لم يستطع مدّ جذوره فيّ.
وجدتها فحان مخاض تلك الحاجة المتحركة، وجدتها فكانت الإجابة ومرآة نقضيها ، وجدتها فكانت إحدى النوافذ وأول جذر يستدل طريقه إلي.
تُتُقن الحضور وتمارس الحياة بكل يقظة و وعي بعيدًا عن الغياب ، يعرف الجمال طريقهُ إليها فإن هي يومًا ضلت طريقه لا تلبث أن تجده من فوقها ومن تحتها عن يمينها وعن شمالها ، تمامًا هالة من نوره تُحيطها.
أفلا يُقال في عاميّتنا " الصاحب ساحب "
نعم هي تسحبني من غيابي بكل خفة إلى حضورها في كل مرة أقابلها فيها أجد نفسي مُراقِبة لها في أبسط تفاصيلها وكأنني أتلقى منها دروسًا في فنّ " ممارسة الحياة حضورًا "
جمانة تُحب الذرة !
وعندما تأكلها فهي تعطي كل حبة حقها الذرة ترسم على ثغرها ابتسامة وجمانة تهب الذرة السعادة ، لأنها تُشعرها بالحب لأنها تأكلها بانتباه ومتعة وحضور .
عندما تمشي برفقتها في أروقة الجامعة وساحاتها تنتبه لإستثنائية الفتاة الحُبلى ، قدسية فكرة أن الروح يمكن أن تُطوى على أخرى ، تنتبه لحلوى القطن الفريدة في السماء ،وأحيانًا قد تكون وسائد جيدة تُخفي وجهك المحزون في عمقها فتتعلم أن الحزن خاصية إنسانية إزدواجية قد تجرحك لكن دموعها قادرة وبجودة على مداواتك ومداواة الأرض. في أحايين أخرى قد تجعلك تصدق خرافة " بساط علاء الدين " خرافة ؟ من يستطيع دحض فكرة " طيران الروح " أو تقويض أجنحتها ؟!
ها هي ذي أيضًا تملك قدرة تحويل الخرافة إلى حقيقة !
وبمناسبة الحديث عنها، نسيت إخباركم أيضًا أنّ الطفلة فيها تكبر معها أعتقد أنّ بينهما عهدًا أو ما شابه ذلك .
تخبرني أحيانًا عن رغبتها بالقفز من سور الجامعة ، وأحيانًا أخرى تطلب مني أن أركب عربة نقل الحاجيات لدى العاملات لتقوم هي بدفعي وغيرها من الرغبات التي أرفض دائما تنفيذها بدعوى " الحفاظ على بريستيج الطالبة الجامعية "
جمانة متصالحة مع الحياة هي بالأصل تحيا لا تعيش فقط ، كل يوم أتعلّم معها سياسات تطبيق هذا الصلح ، كل يوم أحاول أن أتعاطى مع آنية اللحظة والحياة بالحب والرضا كما تفعل هي تمامًا أن أكون حاضرة بالروح وبالجمال في كل وقت وكل حين دون أن أترك مجالاً لجاذبية الماضي أو المستقبل لشطري بينهما فأغيب وأكون عدم الحاضر و وهمه.
بالنسبة لي جمانة هي حامل المسكِ الذي أخبرنا عنه رسولنا عليه صلوات الله وسلامه.وأؤمن أن أيامي الممتلئة بها ستكون ممتلئة بالريح الطيبة.
الرائع أننا نتشارك ذات التخصص الجامعي.
هذه التدوينة كانت ميلادًا للفكرة التي أدركتها ، شكرًا آن لاموت .
أمسكت يد أخي الصغير ومضيت أمشي دون وجهة محددة ، كنت أعتقد أن الكون يستطيع مشاركتي همي هذه المرة كما فعلها سابقا ، لكني جهلتُ ما هية الهم ونوعه وأنه أثقل من أن يحتمله ظهر الأرض أو يدفنه صدر السماء .. إنه الرحيل و أنة الفقد .. لا زلت أذكر معالم وجه الثلاثاء الماضي وكأن اللقاء جمعنا اليوم ولم تطوِه بضع أيام ، كيف صحوت من نومي فزعة على إثر صراخ أمي وهي تقول .. : " هيّا أصالة ، أصيل ، باسل ، بسّام أسرعوا فجدتكم تُنازع " أدركت حينها أنها نفضت يديها من شؤون أهل الأرض وتبرأت من حيواتهم ، إنها على وشكِ أن تحزم أمتعتها وتُدير ظهرها للحياة بلا وداع ولسان حالها يقول إلى الرحمة إلى ربي إلى الحياة الحقة ، غير مأسوفٍ على حبة الدنيا الضئيلة .. ، كنا نركض ونتخبط ، كنا أسرع حينها من قدرة العقل البشري على استيعاب ' فكرة الموت ' ومضينا ، كنا نبكي بصمت في السيّارة ونمسح دموعنا بشدة رافضين الاستسلام لهذه الفكرة ، كانت في داخل كل واحد منا قصة تبدأ به وتنتهي بجدتي ، أما أنا فكنت أحاول جاهدة استساغت الفكرة وتخيل جميع الأماكن التي كانت تمتلئ بها الآن دونها ، بسام كان يوبخ أبي بقلة حيلته : أبي أسرع ، أسرع لماذا أنت بطيء هكذا ! وبعد هنيهة إذ بنا في حي بيت أختها الذي تجلس فيه جدتي ، مرت من جانبي سيارة إسعاف العادة عندما أراها ينكمش قلبي حزنا وأدعو لمن فيها، لكن هذه المرة مختلفة فقد سقط قلبي بأكمله ، لكن السيارة لا تصدر صوت إنذارها ، إذن ليس هناك أحد فيها، أها أكيد أن جدتي بخير ولا حاجة لها بالاسعاف و هم المشفى ، وصلنا إلى المنزل ، كل منا فتح بابه وجرى ، دخلنا المنزل سارعنا إلى غرفتها ، " جسد ممدد على السرير وأصوات بكاء تتعالى وإنارة الغرفة بأكملها لم تكن كافية لتضيء ليلة قلبي المدلهمة من غمة الحزن ، كانت الفكرة أكبر من أتلقاها وقدماي شامختان على الأرض ، تهاويت بقوة ، وأكملت مع المتواجدين معزوفة البكاء على الفقيدة كانت تشغلني فكرة واحدة .. لم أقل لها : مع السلامة لم أقبلها وأودعها قبل أن ترحل ، لم تمنحني تلك الفرصة وذهبت ، كانت هناك حرقة تأكل صدري وتجعله أجوفٌا رغم برودة الغرفة التي أحسست بأنها نار مضرمة تزيد من الحرقة داخلي ً كانوا يبكون حولي وأمي كعادتها لا تملك القوة أمام صدمات الفقد ، فتتهاوى في كل مرة أشد عن سابقتها وتزيد وجعنا وجعًا وألف ! أما ذاك الجسد الملقى علئ السرير فقد أصبح قبلة المتواجدين وبعد قليل تحمله الأيدي ويخرج أمامي على خشبة مكتوب عليها ' مغسلة الأموات الخيرية .... ' أموات ؟ من الذي مات ؟ أصلا ما هو معنى الممات ؟ نصف إجابات هذه الاسئلة وجدتها في وجه جدتي يعد غسيلها عندما هممت بتقبيل رأسها ، عيناها كانت مغمضتان و وجهها مسترخٍ قلت لها : مع السلامة جدة مع السلامة .. أها إذن جدتي هي التي ماتت ! عدنا إلى المنزل وبدأت أيام العزاء يوما يتبعه الآخر وفي كنف كل يوم كنت أجد جزء من إجابة سؤالي ما معنى الممات ؟ إنه الفكرة التي تكبر الأحياء كثيرًا ، بالرغم من إيمانهم بحقيقة وقوعها وأنهم يتمنون مجيئها على المحاسن والفضائل ، إلا أنهم يعجزون عن فهمها وإدراكها والدليل ، أنهم يملكون القدرة على ترميم قلوبهم بعد كل فقد واستعادة القدرة كاملة على العيش والحياة من جديد وكأن شيئا لم يكن إلا فيما ندر حتى وإن كانوا يذكرون أمواتهم بين الفينة والأخرى يظل معنى الموت قاصر لدى كل حي ، مكتمل لدى كل ميت ، ليسأل كل واحد منا نفسه ! ماذا يعرف عن الموت ؟ وماذا يفهم منه ؟ وهل كان سيحيا الحياة نفسها لو كان يدرك معنى الموت كالذين ابتلعتهم بطن الأرض ؟ إن الأماكن بعدك خاوية يا جدتي صورتكُ لدي وبعض الأدوية الخاصة ، سأحادثك كلما اشتقت إليكِ وسلواي في فراقك أن الله رحمك من أوجاع المرض وآلامه وأسأله أن يجعله لك كفارة غفارة ، ويجعل قبرك روضة من رياض الجنان ويرزقك الفردوس بلا حساب ولا سابق عذاب ولأموات المسلمين جميعا مثل ذلك ، ' وجه الثلاثاء المنصرم ضيفٌ أوجعني حلوله فأسأت إكرامه ، سكّن الله تأنيب الضمير..